سودان تمورو
لم يمضِ يومٌ واحدٌ على تقريرٍ لوكالة السودان للأنباء (سونا)، تناولناه في مقالةٍ سابقة بعنوان (زيارة كامل إدريس إلى أوروبا: تلهّفٌ لصناعة الزخم وتوظيفٌ للإعلام الرسمي لتغطية الإخفاقات)، حتى سقطت مقولة “ليس كل ما يُعرَف يُقال” تحت وطأة الانتقادات الواسعة التي طاولت الزيارة؛ إذْ سارعت الوكالة إلى نشر تقريرٍ استدراكي مطوَّلٍ بعنوان (بانوراما زيارة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى بريطانيا) أغدقت فيه بتفاصيل جديدةٍ عن لقاءات الزيارة وبرنامجها.
يعكس هذا التحوُّل السريع حجم الارتباك الذي أحدَثته الانتقادات التي وُجِّهت للزيارة، وتزايد التساؤلات بشأن طبيعتها ومخرجاتها، ويُشير إلى أن الحديث عن “الخصوصيَّة” و”الحساسيَّة” لم يكن سوى محاولةٍ لتغطية تواضع مستوى الزيارة.
لم يكشف التقرير الجديد عن معلوماتٍ ذات طابعٍ سريٍّ أو استثنائي يبرِّر ذلك التكتُّم السابق؛ بل اكتفى بسرد تفاصيلَ عن لقاءاتٍ أكاديمية وبرلمانية ودبلوماسية كان يمكن إعلانها منذ البداية بلا أيِّ حرجٍ، وهو ما يعزِّز الانطباع بأن الوكالة لجأت في تقريرها الأول إلى إحاطة الزيارة بهالةٍ من الغموض لتضخيم أهميتها والردِّ على الانتقادات قبل أن تُضطر لاحقًا تحت ضغط الجدل العام إلى نشر ما أعلنت ابتداءً أنها كانت “تتحفَّظ” عليه.
حاول التقرير الجديد إضفاء طابع “الرسمية” على زيارة لندن رغم أن المعطيات المتاحة لا تسند هذا التوصيف بالمعنى الدبلوماسي المتعارف عليه في المملكة المتحدة؛ إذْ لم تُشِرْ أيُّ تقارير بريطانية إلى أنها “زيارة رسمية”، كما لم تصدُر أيُّ بياناتٍ عن رئاسة الوزراء أو وزارة الخارجية تُفيد باستقبال رئيس الوزراء السوداني في إطار زيارةٍ بهذا الطابع. كذلك، لم يُعلَن عن أيِّ برنامج لقاءاتٍ مع رئيس الوزراء البريطاني أو كبار المسؤولين التنفيذيين، وهي من أبرز المؤشِّرات المعتادة للزيارات الرسمية من هذا المستوى. يُضاف إلى ذلك أنه لم يَرِدْ في الإعلانات السودانية السابقة للزيارة أيُّ توصيفٍ لها باعتبارها زيارةً رسمية، بل إن إعلان وكالة (سونا) نفسها يوم وصول إدريس إلى لندن اقتصر كما يوضِّح الاقتباس التالي على أنها أتَتْ “تلبيةً لدعوةٍ من اثنتين من أعرق الجامعات العالمية، هما جامعـتا أكسفورد وكامبريدج، لتقديم محاضرتين منفصلتين حول مبادرة السودان للسلام أمام نخبةٍ من الأكاديميين وأساتذة الجامعات والإعلاميين البريطانيين والأوروبيين”.
يُعزِّز هذا الانطباع أن البرنامج المُعلن للزيارة لم يبدأ باجتماعاتٍ حكومية رسمية، بل بلقاءٍ في الجامعتين، وهو أمرٌ غير مألوفٍ في الزيارات الرسمية لرؤساء الحكومات. كما أنه لم يُعثَر على تناولٍ بارز للزيارة في وسائل الإعلام البريطانية الرئيسية، مثل بي بي سي، أو الغارديان، أو فايننشال تايمز، أو سكاي نيوز. واقتصر أبرز ما نُشِر على تقريرٍ في صحيفةٍ طلابية بجامعة أكسفورد.
ورغم أن التقرير أشار إلى لقاءٍ جمع كامل إدريس بوزيرة الدولة للتنمية الدولية وشؤون إفريقيا، البارونة جيني تشابمان، فإن المعطيات المتاحة تُوحي بأنه كان لقاءً بروتوكوليًا محدود المستوى أكثر منه محطةً محورية ضمن برنامج زيارةٍ مُعدّ سلفًا. كما أن توقيت الإعلان عنه وطريقة تقديمه يُوحيان بأنه ربما اُسْتُجْدي على سبيل الاستدراك لترميم صورة الزيارة في مواجهة الانتقادات المتصاعدة، لا باعتباره جزءًا أصيلًا من أجندةٍ سياسية رفيعة كان الإعلام الرسمي سيحرص، بطبيعة الحال، على البناء عليها لتسويق الزيارة منذ البداية، وخاصةً أن اللقاء لا يحمل أيَّ طابعٍ سرِّي، خلافًا لما حاول التقرير السابق الإيحاء به. وممَّا يعزِّز هذا الانطباع غيابُ أيِّ إشارةٍ إلى اللقاء في الحساب النشط للوزيرة على منصَّة “إكس”، مع الأخذ في الاعتبار اعتياد الوزراء البريطانيين نشر تفاصيل لقاءاتهم الرسمية على نحوٍ منتظم، بما في ذلك اجتماعاتٌ وفعاليات أقلَّ أهميةً من لقاءٍ مع رئيس وزراءٍ.
ومن الملاحظ أن التقرير اتجه إلى تفخيم بعض الشخصيات التي التقاها رئيس الوزراء باستخدام أوصافٍ مبالغٍ فيها؛ إذْ وصف جوناثان باول، مستشار رئيس الوزراء للأمن القومي، بأنه “من الشخصيات المفتاحية البارزة في المملكة المتحدة، ومن العناصر الفاعلة والمؤثِّرة داخل الحكومة البريطانية”، مُضيفًا أنه “ظلَّ مسؤولًا عن ملفِّ الأمن القومي البريطاني لفترةٍ طويلة”، بينما تُشير الوقائع إلى أنه عُيِّن في المنصب في نوفمبر 2024 وبدأ مهامه رسميًا في ديسمبر من العام نفسه. كما أن طبيعة منصبه لا تعكس مستوى التأثير الذي تُوحي به الصياغة؛ فهو مجرَّد مسؤولٍ تنسيقي واستشاري في منظومة الحكومة البريطانية وليس صاحب موقعٍ سيادي مستقلٍّ أو مركز قرارٍ سياسي مباشر بالمعنى التنفيذي.
ويسري الأمر على اللورد ديفيد أندرسون، الذي وصفه التقرير بأنه “من الشخصيات البريطانية النافذة والمؤثِّرة في دوائر صُنع القرار بالمملكة المتحدة”، في حين أنه في الواقع لوردٌ مستقلٌّ (Crossbench Peer) لا يشغل منصبًا حكوميًا تنفيذيًا. ولذلك، فإن تأثيره المباشر في صناعة القرار شبه معدومٍ مقارنةً بالدوائر التنفيذية داخل حكومة العمَّال، أو حتى في حكومة الظلِّ.
ومن مظاهر المبالغة أيضًا استخدام تعبير “مأدبة غداءٍ” داخل البرلمان البريطاني؛ إذْ إن كلمة “مأدبة” في العربية تحمل دلالاتٍ بروتوكولية ورسمية واحتفالية أوسع، بينما تُشير الوقائع إلى ما يُعرَف في السياق البريطاني المذكور بـ”غداء عملٍ” خفيف (luncheon) يستضيفه نوابٌ أو لورداتٌ لوفودٍ وشخصياتٍ عامة تتخلَّله كلماتٌ وفرص للتعارف وبناء العلاقات، وهو نشاطٌ برلماني مألوفٌ لا يرقى إلى مستوى الدلالات التي حاول التقرير إضفاءها عليه.
كما أدرَج التقرير ضمن برنامج الزيارة
لقاءً مع الرئيس البنغلاديشي محمد شهاب الدين؛ غير أن التفاصيل التي أوردتها وسائل إعلامٍ بنغلاديشية أوضحت أن الأمر لم يتجاوز زيارة مجاملةٍ عابرة جرَت في بهو فندقٍ يُقيم فيه الرئيس البنغلاديشي بعد خضوعه لعملية تركيب دعامةٍ قلبية. وانحصر اللقاء، الذي وصفه الإعلام البنغلاديشي بأنه غير رسمي (informal)، في الاطمئنان إلى الحالة الصحية للرئيس، وتبادُل عبارات المجاملة والدعوات الطيبة من دون أيِّ مؤشِّراتٍ إلى مباحثاتٍ سياسية أو دبلوماسية ذات وزنٍ. ولذلك، يبدو أن إدراج هذا اللقاء ضمن حصيلة الزيارة كان من باب “تكبير الكوم”، وإضفاء زخمٍ بروتوكولي على تحرُّكاتٍ محدودة الأثر والفائدة.
على العموم، يكشف هذا التقرير “الترميمي” أن الحكومة انتقلت خلال أقلَّ من أربعٍ وعشرين ساعة من خطاب “الخصوصيَّة” و”ليس كل ما يُعرَف يُقال” إلى نشر تفاصيل لم يكن في معظمها ما يُبرِّر حجبها أصلًا. ويعكس هذا التحوُّل حجم التأثُّر بالانتقادات العامة، ويُشير إلى أن الإشكال لم يكن في حساسيَّة المعلومات، بل في محاولة تضخيم زيارةٍ محدودة النتائج، وتقديمها للرأي العام باعتبارها اختراقًا دبلوماسيًا استثنائيًا رغم أن المؤشِّرات البروتوكولية والإعلامية البريطانية المتاحة لا تدعم هذا التوصيف.
