سودان تمورو
زرتُ مدن شمال السودان في العام 1998م، حينها كنتُ طالبًا بالجامعة، متنقلًا من القدّار إلى الغابة، ومن القولد والدبة إلى دنقلا. ثم عدتُ مرة أخرى في العام 2017م مشاركًا في الندوة الثقافية بكلٍّ من الدامر وعطبرة.
في زيارتي الأولى، رأيتُ بأم عيني كيف يصنع الناس الحياة وسط القسوة، وكيف تظل قلوبهم عامرة بالقيم الإنسانية. فالإنسان في شمال السودان يحمل روحًا شفافة وقلبًا نقيًا، ويمنحك إحساسًا عميقًا بالبساطة والمحبة والرضا.
وفي تلك المدن والقرى الممتدة بين الفيافي والكثبان الرملية، رأيت أطفال المدارس يقطعون المسافات الطويلة ذهابًا وإيابًا في معاناة يومية، وسط ضعف الخدمات وغياب وسائل النقل. ولا أنسى أطفال حسينارتي وهم يعبرون الطرق الرملية القاسية في رحلة التعليم اليومية، بوجوه تحمل البراءة والصبر معًا، في مشهد يلخص معاناة إنسان الشمال وتمسكه بالحياة رغم كل الصعوبات. كما رأيت أسرًا كاملة تعيش على البساطة والصبر، بينما دفعت صعوبة الحياة كثيرًا من أبناء منطقة حسينارتي إلى الهجرة نحو الخليج بحثًا عن الرزق الحلال.
ورغم ذلك، ساهم أبناء شمال السودان في بناء الدولة السودانية، ورفدوا المكتبة السودانية بالمؤلفات، وتركوا بصمتهم في مختلف مؤسسات البلاد.
لكن اللافت أن هذه المدن، برغم التهميش وقسوة الحياة، لم تعرف التمرد المسلح ضد الوطن، ولم تجعل من معاناتها مبررًا لحمل السلاح في وجه السودانيين، كما يحدث الآن من دمار وخراب طال المدن السودانية.
ومع ذلك، ظلت بعض الدوائر تحاول تصوير الشمال وكأنه مركز امتياز مطلق، في عملية تغبيش لوعي الناس وتزييف للحقائق. فالحياة في دارفور ـ وأنا منها ـ أو جنوب كردفان أو النيل الأزرق، رغم ما تشهده من أزمات، تتمتع في كثير من المناطق بخصوبة الأرض وجمال الطبيعة وتنوع البيئات وتعدد الموارد في باطن الأرض وظاهرها، بينما يعيش كثير من أهل الشمالية وشرق السودان وسط ظروف بيئية قاسية وشحيحة الموارد.
ولو قامت وسائل الإعلام الوطنية بدورها الحقيقي في نقل الواقع كما هو، لانكشفت كثير من المزايدات السياسية، ولعرف الناس أن البؤس والتهميش ليسا حكرًا على إقليم دون آخر، وإنما قضية وطن كامل يحتاج إلى عدالة في التنمية.
غير أن المدهش في تجربة الشمال السوداني أن هذه المعاناة لم تنتج كراهية، بل أنتجت فنًا وشعرًا وغناءً شكّل وجدان السودان كله. فمن رحم تلك البيئة خرجت أجمل الأغنيات والألحان السودانية:
“قطار الشوق متين ترحل تودينا
نشوف بلدًا حنان أهلها
ترسي هناك ترسينا
نسايم عطبرة الحلوة تهدينا وترسينا”
ويعلو صوت الغربة والحنين:
“شوفي الزمن يمة ساقني بعيد خلاص
رسلي لي عفوك يجيرني من جور الزمان”
فكانت الأغنية السودانية مرآة لإنسان عرف قسوة الحياة، لكنه ظل متمسكًا بالمحبة والجمال والرضا. إنه الفارق الحضاري يا سادة.
وحين ندرك أهمية التغيير، ونعيش لأحفادنا وأبنائنا، ونستوصي بالحكمة التي تقول: “علّموا أولادكم لزمان غير زمانكم”، يمكننا أن نتجاوز الأحقاد والكراهية، وأن نفتح أبواب المستقبل بروح جديدة تؤمن بالحوار والتسامح. فهذا السودان وطن جميل، يحتاج منا أن نتحاكم إلى العقل، وأن نتمسك بالقيم الوطنية، وأن نزداد حبًا وتقديرًا للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي حافظت على الوطن في لحظات كاد فيها السودان أن يُختطف.
