سودان تمورو
لم يعد الحديث عن أمن الخليج يدور، كما في السابق، حول سؤال تقني ضيق يتعلق بمن يملك أدوات الحماية أو من يتكفل بكلفتها، بل بات يرتبط بسؤال أعمق وأشد تركيباً: أي بنية إقليمية يمكن أن تنتج استقراراً أقل هشاشة في زمن تتبدل فيه أولويات القوى الكبرى وتتراجع فيه يقينيات التحالفات التقليدية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو تجربة إدارة دونالد ترامب مجرد عارض أميركي عابر، بل تكشف عن ميل أوسع في السياسة الدولية إلى إخضاع الالتزامات الأمنية لمنطق المراجعة وإعادة التسعير والضغط. لذلك، فإن التفكير في مستقبل الخليج لم يعد يحتمل الاكتفاء بمنطق الحماية المستوردة، بل يقتضي الانتقال إلى تصور أكثر نضجاً يوازن بين القدرة الذاتية، والتفاهمات الإقليمية، والعلاقات الخارجية التي تضبطها المصلحة المتبادلة لا التبعية المزمنة.
تداعيات الحرب على إيران وانكشاف حدود القوة الأميركية بدأت مفاعيلها تبرز إلى السطح ملحقة الضرر بالتخطيط الاستراتيجي الأميركي طويل الأمد. بداية، دعا الأمين العام السابق لحلف “الناتو”، آندرس فوغ راسموسن، دول الحلف إلى الابتعاد عن “الحماية” الأميركية وتشكيل تحالف جديد قادر على مواجهة الولايات المتحدة (12 أيار / مايو 2026: مؤتمر “قمة كوبنهاغن للديموقراطية” الذي يترأسه).
استشعر راسموسن المأزق الأميركي في عهد الرئيس ترامب الذي “تخلى عن الدور القيادي، ولذلك نحن بحاجة إلى قائد جديد للعالم الحر”؛ لمواجهة ما سمّاه الضغوط الاقتصادية من دول مثل الصين وربما الولايات المتحدة” على دول الحلف الأوروبية.
أولاً: لماذا تشكل تجربة “الناتو” في عهد ترامب إنذاراً استراتيجياً لدول الخليج؟
تكمن أهمية استدعاء تجربة “الناتو” هنا في أنها تكشف، بكثافة نادرة، طبيعة السلوك الأميركي حين يُعاد النظر في معنى التحالف نفسه. فإذا كان حلفٌ بحجم “الناتو”، بما يختزنه من تاريخ ومؤسسية وعمق استراتيجي، قد وجد نفسه في مواجهة تهديدات علنية تمس جوهر الالتزام الأميركي، فإن الكيانات الأمنية الأقل تماسكاً والأشد اعتماداً، كما في الحالة الخليجية، تبدو أكثر انكشافاً على التقلبات ذاتها، وربما على نحو أكثر حدة أيضاً.
وأيّدت عدة عواصم أوروبية فكرة قالت إنها ناقشتها مع الرياض “لإعادة النظر في تحالفاتها الأمنية” ونسج اتفاقية على غرار عملية هيلسنكي، في سبعينيات القرن المنصرم التي أدت إلى تخفيف حدة التوتر في أوروبا خلال الحرب الباردة، تستند في جوهرها على إبرام اتفاقية عدم اعتداء بين دول الجوار” ضمنها منح طهران ضمانات بعدم تعرضها للهجوم” (صحيفة “فايننشال تايمز”، 15 أيار/مايو 2026).
1. تجربة حلف شمال الأطلسي بوصفها نموذجاً مصغراً لما قد تواجهه المنظومة الخليجية
خلال ولاية ترامب الأولى بين عامي 2017 و2021، لم يكتف الرئيس الأميركي السابق بإبداء امتعاضه من مستويات الإنفاق الدفاعي الأوروبي، بل صاغ موقفاً سياسياً متكاملاً يقوم على ربط الالتزام الأمني الأميركي بالكلفة المباشرة التي يتحملها الحلفاء.
وقد تُرجم ذلك في تهديدات علنية ومتكررة بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي أو تقليص المساهمة الأميركية فيه إذا لم ترفع الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي إلى سقف 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.
لم تكن هذه التصريحات مجرد أدوات تفاوضية عابرة، بل كانت تعبيراً عن تصور أعمق لمكانة الولايات المتحدة في العالم، تصور يرى أن التحالفات يجب أن تُقاس بمنطق العائد المباشر، لا بمنطق الالتزام الاستراتيجي طويل الأمد أو الرمزية الجيوسياسية الثابتة.
وفي هذا السياق، برز شعار «أميركا أولاً» لا باعتباره لازمة خطابية انتخابية فحسب، بل باعتباره إطاراً مرجعياً لإعادة ترتيب الأولويات الأميركية. فالحماية، وفق هذا المنظور، ليست حقاً مكتسباً للحلفاء، وليست التزاماً أخلاقياً أو سياسياً منفصلاً عن المنفعة، بل خدمة استراتيجية قابلة لإعادة التسعير أو المراجعة أو التخفيض.
ومن ثمّ، فإن الرسالة التي التقطها الأوروبيون من تجربة “الناتو” كانت واضحة: حتى التحالفات المؤسسية الصلبة يمكن أن تصبح موضوعاً للمساومة عندما تتغير الإدارة الأميركية أو تتبدل رؤيتها لكلفة الدور الدولي الأميركي.
ولا تقتصر دلالة هذه التجربة على الخطاب وحده، إذ إن قرار إدارة ترامب سحب آلاف الجنود الأميركيين من ألمانيا، مع التلويح بإجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى، أظهر أن إعادة التموضع العسكري ليست مجرد احتمال نظري. ومن منظور خليجي، فإن هذه السابقة يجب قراءتها بكثير من الجدية، لأنها تؤكد أن الركون إلى الوعود الأمنية الأميركية، مهما بدت ثابتة في لحظة معينة، يظل رهناً بحسابات البيت الأبيض والبنتاغون والبيئة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لا بحاجات الشركاء الإقليميين وحدها.
والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه خليجياً من هذه السابقة هو أن الالتزامات الأمنية الأميركية ليست أبدية ولا معصومة من التحول؛ فما يقدمه رئيس بوصفه تعهداً استراتيجياً قد يعيد رئيس آخر تعريفه أو يفرغه من مضمونه العملي.
كما أن الحماية الأميركية، حين تستمر، لا تكون مجانية سياسياً أو مالياً، بل ترتبط في العادة بطلبات متزايدة تتصل بصفقات السلاح، والتموضع السياسي، وتوفير الدعم اللوجستي والمالي في صراعات أوسع، وربما بفرض أجندات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات دول الخليج نفسها. وإذا كان التهديد بالانسحاب قد طال “الناتو”، وهو التحالف الأهم في البنية الغربية، فإن افتراض استحالة تكرار سلوك مماثل تجاه الخليج يبدو افتراضاً يفتقر إلى الواقعية الاستراتيجية.
ثانياً: مقاربات ترامب الضاغطة تجاه دول الخليج ومعانيها الاستراتيجية
1. منطق «الدفع مقابل الحماية» وإعادة تسعير الالتزام الأمني
أعاد ترامب مراراً صياغة العلاقة مع دول الخليج بمنطق تجاري شبه مباشر، يقوم على أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يجب أن يقابله ثمن مرتفع تدفعه الدول الخليجية بوصفها دولاً «غنية» وقادرة على تمويل هذه الحماية.
وتكشف هذه المقاربة عن تحول جوهري في فهم التحالف: فبدلاً من اعتباره شراكة أمنية تقوم على تداخل المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، جرى التعامل معه كترتيب تعاقدي قابل للتعديل وفقاً لحجم المساهمة المالية المطلوبة. وخطورة هذا المنطق أنه لا يكتفي بزيادة الكلفة الاقتصادية للحماية، بل يجعل استمراريتها نفسها مرتبطة بتقدير سياسي متقلب حول ما إذا كان المقابل المدفوع كافياً أو لا.
2. الحماية المشروطة سياسياً وإشكالية المقايضة الجيوسياسية
لا تنفصل المقاربة المالية عن بعد سياسي أشد تعقيداً، يتمثل في قابلية الحماية الأميركية للتحول إلى أداة لفرض مقايضات إقليمية كبرى. فحين ترتبط استمرارية الغطاء الأمني بقبول ترتيبات سياسية محددة، أو بالانخراط في مشاريع إعادة هندسة إقليمية لا تحظى بإجماع داخلي خليجي، مثل التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، تصبح الحماية نفسها مدخلاً لإعادة تشكيل القرار السيادي للدول المعنية. ومن هنا، تبرز إشكالية «الحماية المشروطة»، حيث لا يكون التهديد الحقيقي فقط في احتمال الانسحاب الأميركي، بل كذلك في استمرار الحماية بصيغة تجعلها وسيلة ضغط سياسي دائم.
3. حدود الاستعداد الأميركي للتورط العسكري المباشر
أما البعد الثالث فيتمثل في أن فلسفة «أميركا أولاً» تقود، عملياً، إلى تقليص الرغبة في الانخراط البري أو المباشر في نزاعات الشرق الأوسط، حتى حين تمس مصالح حلفاء مقربين. وهذا يعني أن أقصى ما يمكن أن تقدمه واشنطن في بعض السيناريوهات هو الإسناد التسليحي والاستخباري وبيع منظومات الدفاع، لا تحمّل كلفة المواجهة الميدانية بنفسها. وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن هذا الاحتمال بالغ الحساسية، لأنه يكشف الفجوة بين وجود قاعدة أو اتفاق أو منظومة سلاح، وبين الاستعداد السياسي الفعلي لاستخدام القوة لحماية الحلفاء عند لحظة الاختبار.
ثالثاً: حدود الحماية الأميركية في التطبيق العملي
تتجاوز الإشكالية هنا مجرد احتمال الانسحاب الأميركي في المستقبل، لتصل إلى سؤال أكثر جوهرية: هل نجحت الحماية الأميركية، حتى في ظل حضورها الكثيف، في إنتاج أمن فعلي ومستقر لدول الخليج؟ إن مناقشة هذا السؤال تكتسب أهمية خاصة، لأن فشل الحماية وهي قائمة فعلاً يضعف، من الناحية المنطقية، صلاحية الافتراض القائل بإمكان الاعتماد عليها بوصفها ضمانة استراتيجية كافية في المدى الطويل.
لقد أظهرت أزمات السنوات الأخيرة أن الحضور العسكري الأميركي لا يعني، بالضرورة، توفير مظلة مانعة للاختراق أو كفيلة بحماية السيادة الخليجية من كل أشكال التهديد.
فوجود القواعد العسكرية لم يمنع وقوع اختراقات أو هجمات أو تحولات ميدانية أثبتت أن الردع القائم ليس مطلقاً، وأن واشنطن قد تعيد تموضع أصولها عند ذروة الخطر بما يراعي سلامة قواتها أولاً، حتى لو ترك الحلفاء في وضع أكثر هشاشة.
كما أن امتلاك منظومات متطورة مثل «باتريوت» و«ثاد» لم يحُل دون نجاح هجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ في إصابة أهداف حيوية، الأمر الذي يكشف أن الحماية القائمة جزئية، وانتقائية، ومشروطة بطبيعة التهديد وبحدود الاستعداد الأميركي للمخاطرة. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا لو انسحبت الولايات المتحدة، بل أيضاً: ما قيمة حماية لا تستطيع أن تتحول إلى ضمان أكيد حين تتسارع الأزمات؟
رابعاً: البدائل الاستراتيجية المتاحة أمام دول الخليج
إذا كان النموذج التقليدي القائم على الاعتماد شبه الحصري على المظلة الأميركية قد دخل طوراً من التآكل أو عدم اليقين، فإن المطلوب ليس مجرد إعلان الرغبة في الاستقلال الاستراتيجي، بل بلورة مسارات واقعية ومتدرجة يمكن أن تشكل أساساً لنظام أمني أكثر توازناً. والبدائل المطروحة هنا لا تُفهم بوصفها وصفات جاهزة أو خيارات متساوية في الجدوى، بل بوصفها اتجاهات عمل محتملة تتفاوت في كلفتها وواقعيتها وأفقها الزمني.
1. البديل الأول: التكامل الدفاعي الخليجي بوصفه مساراً لبناء قدرة ذاتية
يقوم هذا البديل على فكرة جوهرية مفادها أن معالجة الهشاشة الأمنية الخليجية لا تكون فقط عبر استبدال الحامي الخارجي بحامٍ آخر، بل عبر رفع مستوى القدرة الذاتية داخل الإقليم نفسه. وفي هذا السياق، يبرز خيار التكامل الدفاعي الخليجي باعتباره خطوة تأسيسية لا غنى عنها، تبدأ بإنشاء منظومة موحدة للدفاع الجوي والإنذار المبكر بدلاً من التشتت الحالي الذي يجعل كل دولة تعمل بمنظومات منفصلة مرتفعة الكلفة ومحدودة الكفاءة عند مواجهة التهديدات المركبة.
كما يشمل هذا المسار تطوير هياكل قيادة وتخطيط عملياتي مشتركة تسمح بتوزيع الأدوار وتقليل الازدواجية وتعزيز سرعة الاستجابة، إضافة إلى الاستثمار التدريجي في قاعدة صناعية دفاعية خليجية مشتركة تقلل الاعتماد على المورد الأجنبي وتمنح الدول المعنية هامشاً أوسع من الاستقلال في الصيانة والإمداد والتطوير. غير أن هذا البديل، على أهميته، يصطدم بعقبات سياسية وسيادية معروفة، من بينها تفاوت أولويات الدول، وحساسية القرار العسكري المشترك، وضعف التقاليد المؤسساتية التكاملية. ومع ذلك، فإن صعوبة هذا المسار لا تعني استحالته، بل تؤكد أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية متراكمة، وتعريفاً أوضح للتهديدات المشتركة، ومقاربة تدريجية تبدأ بالوظائف الأقل حساسية قبل الانتقال إلى المستويات الأعلى من التكامل.
2. البديل الثاني: تنويع الشراكات الخارجية وتخفيف الاعتماد الأحادي
ينطلق هذا البديل من مسلمة استراتيجية بسيطة مفادها أن الاعتماد على حليف واحد، مهما بلغت قوته، يضاعف حجم المخاطر عندما تتغير أولويات ذلك الحليف أو تتراجع إرادته السياسية. لذلك، يصبح تنويع الشراكات الدفاعية والدبلوماسية خياراً عقلانياً يهدف إلى بناء «شبكة أمان متعددة» بدلاً من الارتهان لمصدر واحد للحماية والتسليح والدعم السياسي.
ويمكن لدول الخليج، ضمن هذا الإطار، أن توسع مجالات التعاون مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، بحيث تستفيد من مزايا كل طرف في مجاله النوعي، سواء في التكنولوجيا العسكرية، أو منظومات الدفاع الجوي، أو الطائرات المسيّرة، أو التدريب، أو التغطية الدبلوماسية في المحافل الدولية.
إلا أن أهمية هذا البديل لا تكمن في مجرد تعدد المزودين أو الشركاء، بل في خلق توازن تفاوضي يحسن موقع دول الخليج نفسها، ويجعلها أقل عرضة للابتزاز السياسي، وأكثر قدرة على المناورة بين المصالح الكبرى. ومع ذلك، يجب التنبه إلى أن تنويع التحالفات لا يعني بالضرورة سهولة الجمع بين قوى متنافسة، إذ قد يفتح الباب لتعارضات تقنية وسياسية واستراتيجية تتطلب إدارة دقيقة حتى لا يتحول التنويع إلى مصدر جديد للانقسام أو التبعية المركبة.
3. البديل الثالث: الانخراط الجاد مع إيران بوصفه المسار الأطول والأكثر استدامة
على الرغم من أن هذا المسار يبدو أبطأ من غيره، وربما أكثرها تعقيداً من حيث الشروط النفسية والسياسية، فإنه يظل الأكثر اتصالاً بمنطق الاستدامة الإقليمية وربما الضمان الأمني الحقيقي. فالعلاقات بين إيران ودول الخليج لا يمكن أن تبقى إلى ما لا نهاية رهينة الردع الخارجي أو إدارة الأزمات من بعد؛ إذ إن الجغرافيا تفرض نوعاً من التعايش الاستراتيجي بين ضفتي الخليج. ومن ثمّ فإن الانخراط الجاد مع إيران يجب أن لا يفهم بوصفه تنازلاً مجانياً أو تجاهلاً للخلافات العميقة، بل باعتباره محاولة لإعادة تنظيم هذه الخلافات داخل أطر قابلة للضبط والتفاوض.
ويمكن أن يبدأ هذا المسار من الملفات الأقل تصادمية، مثل التعاون الاقتصادي، والربط في مجالات الطاقة والنقل، والتنسيق في أمن الملاحة، ثم يتدرج نحو ترتيبات أوسع تشمل مبادئ عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وآليات منع التصعيد، وتسوية النزاعات بالحوار.
وتزداد أهمية هذا البديل لأنه ينقل مركز الثقل من منطق الموازنة العسكرية المفتوحة إلى منطق إدارة الاعتماد المتبادل، وهو ما قد يخلق، على المدى الطويل، مصالح مشتركة تجعل كلفة الصدام أعلى من كلفة التسوية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يظل مشروطاً بوجود إرادة سياسية متبادلة وخاصة في الجانب الخليجي، وباستعداد فعلي من الجانب الإيراني لمعالجة هواجس النفوذ والتدخل مهما كانت مبالغاتها، لا الاكتفاء بإعلانات عامة لا تغيّر شيئاً في البيئة الأمنية الفعلية.
4. البديل الرابع: الردع الذاتي وحدوده العملية في السياق الخليجي
يطرح هذا البديل فكرة بناء قدرة ردع ذاتي مستقلة تقلل الحاجة إلى المظلات الخارجية، سواء عبر تطوير القدرات الصاروخية، أو تعزيز الوحدات الخاصة، أو الاستثمار في مجالات الحرب السيبرانية والرد غير المتماثل. ومن الناحية النظرية، تبدو هذه المقاربة منسجمة مع مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، لأنها تمنح الدولة قدرة أكبر على فرض كلفة على الخصم المحتمل.
غير أن التطبيق الخليجي لهذا المسار يواجه إشكالات عميقة، ليس فقط بسبب كلفته المالية والتكنولوجية والسياسية، بل أيضاً لأن بناء أدوات ردع هجومية فعالة يتطلب درجة عالية من التنسيق العقائدي والعملياتي والمؤسساتي لا تبدو متحققة حتى الآن على المستوى الخليجي الجماعي، خاصة في ظل التوترات السعودية – الإماراتية. كما أن الانتقال إلى ردع هجومي قد يفتح الباب أمام سباق تسلح أكثر خطورة، ويزيد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد، بدلاً من أن يحقق الاستقرار. ولذلك، يمكن النظر إلى هذا البديل بوصفه خياراً مكملاً أو احتياطياً في بعض المجالات، لا مساراً رئيسياً قابلاً لحمل العبء الكامل للأمن الإقليمي بمفرده.
خامساً: استخلاصات مرحلية حول مسارات الأمن الخليجي
تفضي المقاربة السابقة إلى خلاصة يصعب الالتفاف عليها: ما جرى داخل “الناتو” تحت ضغط خطاب الانسحاب والابتزاز المالي في عهد ترامب لا يخص أوروبا وحدها، بل يكشف حدود الركون إلى الضمانات الأميركية بوصفها أساساً نهائياً للأمن الخليجي.
وإذا كانت المظلة الأميركية قد بدت قاصرة حتى في لحظات حضورها الكثيف، فإن الاستمرار في التعامل معها كحل مكتمل لا يبدو سوى تأجيل لمشكلة أعمق. ومن هنا، تتوزع البدائل أمام دول الخليج على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة عاجلة تقتضي رفع الكفاءة الدفاعية والتكامل الداخلي، ودائرة متوسطة تقوم على تنويع الشراكات وتقليص الارتهان الأحادي، ودائرة أبعد زمناً، ولكنها الأشد رسوخاً، تتمثل في بناء ثقة متدرجة مع إيران تمهيداً لصيغة أمن إقليمي أكثر استقلالاً.
والنتيجة الأهم أن الأمن، في النهاية، لا يُجلب بوصفه خدمة جاهزة، بل يُصاغ ببطء عبر توازن دقيق بين القدرة الذاتية، والتفاهم الإقليمي، وحسن إدارة العلاقات مع القوى الكبرى.
سادساً: أولوية المنظومة الأمنية الخليجية-الإيرانية في إعادة بناء التوازن الإقليمي
1. إعادة ترتيب الأولويات: من الداخل إلى الخارج
تقوم الفكرة المحورية هنا على إعادة ترتيب سلّم الأولويات من الداخل إلى الخارج. فبدلاً من تصور الأمن الإقليمي بوصفه امتداداً مباشراً لإرادة القوى الكبرى، تنطلق هذه الرؤية من أن أي منظومة مستقرة لا بد أن تنبع، أولاً، من تفاهم خليجي-إيراني يخفف منسوب العداء ويعيد ضبط الصراع داخل حدود قابلة للإدارة، ثم يأتي دور القوى الخارجية بعد ذلك بوصفها أطرافاً مساندة أو عوامل توازن محدودة، لا مالكة لمفاتيح القرار الأمني في المنطقة.
وتنبع أهمية هذا المنظور من حقيقة جيوسياسية ثابتة: القوى الخارجية قد تنسحب أو تعيد التموضع أو تبدل أولوياتها، أما الجغرافيا فلا تغادر مكانها. ولهذا فإن تقليص احتمال الصدام بين إيران ودول الخليج، وتحويله من احتمال دائم إلى احتمال مستبعد، يظل جوهر أي أمن مستدام في الإقليم.
وتُعد هذه الأولوية قصوى لأن أي منظومة تُبنى من الخارج إلى الداخل تبقى رهينة موازين لا تتحكم بها دول الإقليم نفسها. أما حين يصبح الهدف هو جعل الحرب غير ذات جدوى، أو غير قابلة للتحول إلى خيار مقبول سياسياً، فإن التركيز ينتقل من مجرد كبح الخصم إلى إعادة صياغة البيئة التي تنتج الخصومة أصلاً. وعلى هذا الأساس، لا يكون الأمن الحقيقي في الخليج هو مجرد تجميد الصراع تحت مظلة أمريكية أو غيرها، بل بناء شروط تجعل التعايش المنظم والتنافس المضبوط أقل كلفة وأكثر عقلانية من المواجهة المفتوحة.
غير أن بناء مثل هذه المنظومة لا يخلو من تحديات عملية عميقة. فأزمة الثقة المتراكمة عبر عقود من التنافس والتدخلات المتبادلة تجعل الانتقال المباشر إلى ترتيبات أمنية شاملة أمراً صعباً، وهو ما يفرض اعتماد تدرج محسوب يبدأ بملفات أقل حساسية، مثل الأمن البحري، والتجارة، وإدارة الكوارث، ثم ينتقل لاحقاً إلى الملفات الأكثر تعقيداً.
كما أن مسألة النفوذ الإقليمي وما يرتبط بها من قراءات متباينة لدور كل طرف في محيطه العربي والإسلامي تمثل عقبة أساسية لا يمكن تجاوزها إلا عبر تفاهمات واضحة حول عدم التدخل واحترام السيادة. يضاف إلى ذلك أن القوى الخارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، قد لا تنظر بارتياح إلى ترتيبات تقلص احتكارها للدور الأمني؛ الأمر الذي يجعل الحكمة السياسية تقتضي تقديم هذه المنظومة، في مراحلها الأولى، بوصفها إطاراً مكملاً للاستقرار وخفض التصعيد، لا إعلاناً صدامياً عن إحلال طرف محل طرف آخر.
سابعاً: تنسيق المنظومة الإقليمية مع القوى الخارجية دون الارتهان لها
بعد تأسيس الحد الأدنى من التفاهمات الإقليمية، تأتي مرحلة التعزيز الخارجي التي لا تهدف إلى تسليم المنظومة الناشئة إلى قوى كبرى بديلة، بل إلى توفير أغطية دعم وتوازن وضمان محدودة تساعد على تثبيت الاستقرار.
والقاعدة هنا أن الوظيفة الأساسية للقوى الخارجية يجب أن تكون داعمة لا قيادية، ومساندة لا بديلة عن إرادة الأطراف المحلية. ومن هذه الزاوية يمكن التفكير في أدوار متفاوتة للصين وروسيا وباكستان ومصر، وربما تركيا أيضاً، كلٌّ بحسب طبيعة علاقاته وموقعه وأدوات تأثيره.
1. الصين: شريك توازني وضامن اقتصادي-دبلوماسي محتمل
تبدو الصين، من بين القوى الكبرى، الأكثر قابلية للاضطلاع بدور توازني في هذه المعادلة، بحكم احتفاظها بعلاقات عملية مع كل من إيران ودول الخليج في آن واحد، وبحكم أن مقاربتها للمنطقة ظلت، في معظمها، اقتصادية وبراغماتية أكثر منها أيديولوجية أو عسكرية مباشرة.
ويمكن لبكين أن تسهم في تثبيت المنظومة الإقليمية من خلال تقديم دعم دبلوماسي للاتفاقات، أو لعب دور الضامن السياسي لبعض التفاهمات، أو ربط الاستقرار الأمني بممرات التجارة والطاقة ومشروعات الحزام والطريق، بما يجعل الاستقرار الخليجي مصلحة صينية ملموسة لا مجرد شعار عام. غير أن هذا الدور يظل محدوداً ما لم تقرر الصين تحمّل كلفة سياسية أكبر في إدارة الأزمات، وهو أمر لم يتبلور بعد بصورة كاملة.
2. روسيا: مصدر نفوذ سياسي وخيار موازن محدود
أما روسيا، فعلى الرغم من أنها أقل حياداً من الصين، فإنها تظل طرفاً يمتلك أوراق تأثير مهمة بحكم علاقتها الوثيقة بإيران، وعلاقاتها السياسية والطاقة مع عدد من الدول الخليجية.
ويمكن لموسكو أن تضطلع بدور داعم في مجالات محددة، مثل توفير غطاء دبلوماسي في المؤسسات الدولية، أو الإسهام في موازنة بعض الضغوط الغربية، أو تقديم خيارات تسليحية بديلة في بعض القطاعات. إلا أن حدود هذا الدور واضحة أيضاً، إذ إن انخراط روسيا في صراعات دولية أخرى، وطبيعة صورتها الاستقطابية لدى بعض الأطراف، يجعلانها أقل ملاءمة من الصين للعب دور الضامن المحايد، وأكثر اقتراباً من وظيفة الموازن السياسي أو المزود الانتقائي للأدوات.
3. باكستان: وسيط محتمل ورافعة ردع غير مباشرة
تحتفظ باكستان بموقع خاص في أي تصور أمني خليجي موسع، نظراً إلى علاقاتها التقليدية المتينة مع عدد من دول الخليج، وفي الوقت نفسه احتفاظها بقنوات مع إيران بحكم الجوار الجغرافي والمصالح الأمنية المشتركة.
ومن هنا يمكن النظر إليها بوصفها طرفاً يصلح لوظائف متعددة: وسيطاً عند الحاجة، وشريكاً في التدريب والتأهيل العسكري، وعنصراً يضيف إلى معادلة الردع بعداً غير مباشر بحكم مكانتها العسكرية والنووية. ومع ذلك، ينبغي تجنب المبالغة في توقع ما يمكن أن تقدمه إسلام آباد، لأن مصالحها الداخلية والإقليمية المعقدة تجعلها حذرة من الانخراط في ترتيبات قد تدفعها إلى مواجهة مفتوحة مع أي من أطراف الإقليم.
4. مصر: عنصر توازن عربي ومصلحة مباشرة في الاستقرار الخليجي
أما مصر، فتمثل في هذا التصور عاملاً عربياً مهماً في معادلة قد تضم أطرافاً غير عربية ذات تأثير متزايد، مثل إيران وتركيا وباكستان. وتنبع أهمية القاهرة من امتلاكها ثقلاً سكانياً وعسكرياً وسياسياً، ومن وجود ترابط اقتصادي وبشري واسع بينها وبين دول الخليج، بما يجعل استقرار الخليج جزءاً من مصلحتها الوطنية المباشرة. ويمكن أن يؤدي الدور المصري وظيفة توازنية وسياسية أكثر من كونه وظيفة ضامنة حصرية، بما يتيح إضفاء بعد عربي أوسع على الترتيبات الإقليمية المقترحة.
وفي هذا الإطار، لا يكون المقصود إلغاء العلاقات القائمة مع القوى الدولية الفاعلة، بل إعادة ضبطها بحيث لا تتحول إلى مركز المنظومة الأمنية أو إلى مرجعية وحيدة لاتخاذ القرار الاستراتيجي.
فالعلاقة مع الولايات المتحدة، مثلاً، يمكن أن تستمر في مجالات محددة ومقننة تخدم الاستقرار وأمن الطاقة والتعاون التقني، من دون أن تستبقي منطق التبعية الكاملة. أما بقية الفاعلين الخارجيين، فينبغي النظر إلى أدوارهم من زاوية مساهمتهم في خفض التوتر ودعم التوازن، لا من زاوية استدعائهم لإدارة صراعات الإقليم أو إعادة إنتاجها.
ثامناً: ما الذي تكشفه هذه القراءة لمستقبل الأمن الخليجي؟
مستقبل الأمن الخليجي لا يمكن أن يُبنى على خيار واحد أحادي، سواء تمثل ذلك في استمرار المظلة الأميركية بصورتها التقليدية أو في مجرد الرهان على تنويع الشركاء الخارجيين.
فالمسار الأكثر قابلية للاستمرار يبدو قائماً على تركيب بين ثلاثة مستويات متداخلة: أولهما رفع القدرة الذاتية عبر التكامل الدفاعي والمؤسسي الخليجي؛ وثانيهما بناء مسار متدرج لخفض التوتر مع إيران على قاعدة المصالح المتبادلة وضبط الخلافات؛ وثالثهما الإبقاء على العلاقات مع القوى الكبرى ضمن إطار الدعم والتوازن لا ضمن منطق التبعية الحصرية.
وبهذا المعنى، لا تقود هذه القراءة إلى توصية تقنية بعينها بقدر ما تشير إلى تحول أعمق في تصور الأمن نفسه: من سلعة تُستورد من الخارج إلى بنية تُنتج تدريجياً داخل الإقليم.
تاسعاً: بين التدرج والانتكاس: المسارات المحتملة للأمن الخليجي
إذا ما نُظر إلى المشهد من زاوية التطور المحتمل، أمكن القول إن المنطقة تقف بين ثلاثة مسارات رئيسية. المسار الأول هو استمرار الوضع القائم مع بعض التعديلات المحدودة، بحيث يبقى الاعتماد الأساسي على الولايات المتحدة قائماً مع هامش بسيط من التنويع والتنسيق الخليجي الداخلي، وهو مسار قد يوفر قدراً من الاستقرار المؤقت لكنه لا يعالج الخلل البنيوي في منظومة الأمن.
أما المسار الثاني، وهو الأكثر اتزاناً، فيقوم على التدرج في بناء توازن جديد يرفع منسوب التكامل الخليجي، ويفتح قنوات عملية لخفض التصعيد مع إيران، ويعيد تعريف دور القوى الخارجية بوصفها عوامل دعم لا مراكز قرار. في المقابل، يبقى المسار الثالث، أي مسار الانتكاس، وارداً إذا فشلت جهود بناء الثقة وتصاعدت المنافسة الإقليمية، بما يعيد إنتاج سباق التسلح والتبعية الأمنية الخارجية في صورة أكثر كلفة وهشاشة.
عاشراً: لماذا يبدو هذا المسار صعباً رغم وجاهته؟
تكمن الصعوبة الأساسية في أن المسار الأكثر وجاهة من الناحية الاستراتيجية ليس دائماً هو الأسهل سياسياً. فضعف الثقة المتبادلة بين أطراف الإقليم، وتفاوت أولويات دول الخليج نفسها، واستمرار حساسيات النفوذ والتموضع، كلها عوامل تجعل الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقلالاً أمراً بطيئاً ومركباً.
كما أن بعض القوى الخارجية قد تنظر بتحفظ إلى أي صيغة تقلص احتكارها للدور الأمني أو تحد من قدرتها على توظيف المخاوف الإقليمية.
ولهذا فإن بناء منظومة أكثر توازناً لا يمكن أن يتم بالقفز فوق الواقع، بل عبر تدرج محسوب يراكم المصالح المشتركة ويحوّل خفض التوتر من شعار دبلوماسي إلى مصلحة عملية ملموسة.
خاتمة
إن المعضلة الكبرى أمام دول الخليج لا تكمن في العثور على حامٍ خارجي جديد، بقدر ما تكمن في إعادة تخيل البيئة الأمنية المحيطة بها على أسس أكثر استقلالاً وواقعية.
فالجوار مع إيران حقيقة جغرافية وسياسية ثابتة، في حين أن التزامات القوى الكبرى تظل، مهما بدت راسخة، عرضة للتبدل تبعاً لتحولات الداخل وحسابات الكلفة والعائد.
ومن ثمّ، فإن بناء منظومة أمن إقليمي تشمل إيران ودول الخليج، ولو عبر مسار بطيء ومتدرج، يبدو أقل الخيارات صخباً لكنه أكثرها معقولية وضماناً على المدى الطويل. ولا يلغي ذلك أهمية بقية البدائل، من التكامل الدفاعي الخليجي إلى تنويع الشراكات والاستفادة من أدوار القوى الأخرى، لكنه يعيد وضع هذه البدائل في مكانها الصحيح: أدوات إسناد وتعزيز، لا بدائل عن القاعدة الإقليمية نفسها.
ويقوم هذا الاستنتاج على ثلاث حقائق يصعب تجاوزها: أولها أن الجيران يظلون في الجغرافيا مهما تبدلت خرائط التحالف، وثانيها أن الأمن المستورد يظل هشاً لأنه معقود، في نهاية المطاف، على إرادة خارجية لا يمكن التحكم بها على نحو كامل، وثالثها أن الإقامة الطويلة في مناخ سباق التسلح والمواجهة المفتوحة تستنزف الموارد وتؤجل أولويات التنمية والاستقرار الاجتماعي. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تصور أمني ناجح لا تُقاس بحجم السلاح وحده، بل بقدرته على نقل التنافس من حافة الصدام المفتوح إلى مجال تضبطه القواعد وتؤطره المؤسسات وتحكمه المصالح المتبادلة.
ومن الناحية التحليلية، تكشف هذه المساهمة أن المعضلة الأمنية الخليجية لا يمكن اختزالها في سؤال الردع العسكري وحده، لأن الأمن، في صورته المركبة، يرتبط أيضاً بأنماط إدراك التهديد، وبطبيعة التفاعلات الاقتصادية، وبموقع الفاعلين المحليين داخل البنية الإقليمية الأوسع. لذلك، فإن أي سياسة جادة تجاه مستقبل الخليج يجب أن تجمع بين ثلاثة مستويات متكاملة: مستوى ردعي يحد من الانكشاف، ومستوى دبلوماسي يخفف احتمالات التصعيد، ومستوى مؤسسي يؤسس لقواعد سلوك مستقرة بين الأطراف الرئيسية. ومن دون هذا التكامل، تبقى المنطقة معرضة لإعادة إنتاج الحلقة نفسها من التسلح والارتياب وإدارة الأزمات المؤقتة.
العراق واليمن في قلب المعادلة الخليجية لا على هامشها
من أوجه القصور المتكررة في كثير من النقاشات الإقليمية المتعلقة بأمن الخليج أنها تتعامل، ضمناً أو صراحة، مع العراق واليمن وكأنهما خارج المشهد الخليجي الفعلي، مع أن موقعهما الجغرافي والسياسي وتأثير ما يجري فيهما يجعلان هذا الاستبعاد قاصراً تحليلياً واستراتيجياً. فبناء منظومة أمن إقليمي بين إيران ودول مجلس التعاون، من دون تصور واضح لموقع العراق واليمن فيها أو على أطرافها، يبقى مشروعاً ناقصاً، لأن البلدين يمثلان ساحتين مركزيتين لاختبار نجاح أو فشل أي ترتيبات جديدة.
وفي الحالة اليمنية، يتطلب الدمج الفعلي في أي تصور أمني إقليمي دعم مسار سياسي شامل يفضي إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وصيغة داخلية أكثر توازناً من حيث المشاركة والاستقرار والوحدة. كما أن إدراج اليمن في المعادلة ينبغي ألا يقتصر على البعد الأمني الضيق، بل يجب أن يقترن بخطط لإعادة الإعمار وربط الموانئ اليمنية بالاقتصاد الخليجي وتطوير مشاريع طاقة ونقل مشتركة، بما يحول اليمن من ساحة استنزاف إلى شريك في الاستقرار الإقليمي.
أما العراق، فيُفترض أن يُنظر إليه لا كساحة تجاذب بين المحاور، بل بوصفه جسراً جيوسياسياً قادراً، إذا تعزز استقراره الداخلي، على الربط بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام. ومن هذا المنظور، فإن دعم استقرار العراق وتوسيع مشروعات الربط الكهربائي والاستثمار الخليجي في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والممرات التجارية يمكن أن يمنحه دوراً بنّاءً داخل أي منظومة إقليمية ناشئة.
وربما يكون من المناسب، في مرحلة لاحقة، تطوير منتدى أمني إقليمي أوسع يشكل إطاراً للحوار والتشاور ويساعد على تهيئة شروط الدمج التدريجي لكل من العراق واليمن ضمن مقاربة متعددة المسارات قائمة على المصالح المشتركة والواقعية السياسية.
منتج – مكتب الميادين في واشنطن
