الأربعاء, مايو 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيعرسٌ في بكين وانكسارٌ في واشنطن!.. بقلم لطفي الشناوي

عرسٌ في بكين وانكسارٌ في واشنطن!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو

يردد بعض المحللين ورواد الفضاء الإلكتروني سردية نمطية تدعي أن الصين تشعر بامتعاض شديد إزاء سيطرة إيران على مضيق هرمز، وأن بكين تستغل رئاستها الدورية لمجلس الأمن لعرقلة وتفكيك هذه السيطرة. بيد أن الناظر إلى المشهد بعين فاحصة ومجردة من الأهواء، يدرك أن التحليل السياسي الرصين يجب أن يُبنى على معطيات الواقع، لا على التكهنات والرغبات. وإذا ما طرحنا مجموعة من التساؤلات المنطقية، سنجد أن هذه السردية تتهاوى من أساسها لتكشف عن واقع استراتيجي مغاير تماماً.

كيف لبكين أن تنزعج من سيطرة طهران على المضيق، في حين أن هذا التطور قد سدد ضربة قاصمة لصورة الولايات المتحدة، وجرد القوة الأمريكية من هيبتها أمام العالم؟ بل إن الانخراط الأمريكي في هذا الصراع يستنزف جزءاً هائلاً من قدراتها العسكرية واللوجستية، وهو ما يمثل بالنسبة للصين فرصة ذهبية، وهدية استراتيجية لا تقدر بثمن، للمضي قدماً في ملف تايوان وتشكيل نظام آسيوي جديد بعيداً عن الإزعاج والتدخلات المستمرة من قِبل واشنطن.

علاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل عمق العلاقات الاستراتيجية بين بكين وطهران؛ فإيران حليف موثوق للصين لم تنقطع علاقاته بها حتى في أحلك ظروف التسعينيات. ومن البديهي في العرف الجيوسياسي أن سيطرة حليف على ممر مائي حيوي هي خيار أفضل وأكثر أماناً من تركه تحت رحمة الهيمنة الأمريكية أو الانفلات الشامل في أوقات الحروب. ولنا في سابقة إحكام واشنطن قبضتها على النفط الفنزويلي عبرة؛ فقد كان ذلك تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الصيني. أما اليوم، فإن السيطرة الإيرانية على هرمز تمنح التنين الصيني طمأنينة تامة بشأن استدامة إمداداته النفطية في حال اندلاع أي مواجهة محتملة مع الغرب، خاصة وأن السفن الصينية تعبر المضيق منذ اليوم الأول بلا قيود ولم تتأثر فعلياً بهذا الوضع الجديد.

وفي السياق ذاته، يبدو من السذاجة تصور أن الصين قد تضحي بموقعها الاستراتيجي وتتخلى عن حليفها من أجل وعود ومكاسب تافهة قد يلوح بها ترامب. فالصين ليست دولة تعاني من عوز اقتصادي لتخضع لابتزاز من هذا النوع. بل إن الفشل الذريع لترامب في إخضاع إيران هو تحديداً ما أضعف موقفه التفاوضي أمام الصينيين، وجعل بكين تفاوضه من موقع قوة وندية. كما أن استنزاف الترسانة العسكرية الأمريكية في هذه المعارك يصب مباشرة في مصلحة الصين في أي مواجهة مستقبلية محتملة مع واشنطن.

الواقع الذي تفرضه هذه المعطيات هو أن بكين تعيش الآن نشوة انتصار صامتة؛ فسيطرة حليفها الإيراني على المضيق وفرت لها غطاءً استراتيجياً فريداً. ومقابل هذه المكاسب الجيوسياسية الضخمة، تصبح بضعة دولارات إضافية قد تدفعها الصين كرسوم عبور أمراً لا يذكر، لأن البديل عن دفعها لحليف هو دفع أضعافها، بشكل مباشر أو غير مباشر، لخصمها الأمريكي.

هذا التحول الجذري في قواعد اللعبة تجلى بوضوح في الرسائل الدبلوماسية الأخيرة؛ حيث أبلغ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، نظرائه في بكين بصراحة تامة أن طهران لن تفرط في هذه الفرصة التاريخية للتحكم في مضيق هرمز، وأن إدارة هذا الممر المائي لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه في السابق. وفي تناغم ملحوظ مع هذا الموقف، جاءت تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتي اعتبر فيها أن استئناف الصراعات في الشرق الأوسط سيكون أمراً “غير مناسب”.

هذا الموقف الصيني الروسي لا ينبغي قراءته إلا كرسالة تحذيرية ضمنية لواشنطن، تدعوها للتخلي عن مساعيها العبثية لتغيير الأمر الواقع عبر التصعيد العسكري. فاللجوء إلى الحرب لن يحل العقدة، بل سيزيد الأمور تعقيداً على الجميع. صحيح أن الحرب ليست في مصلحة أحد، إلا أن العودة إلى النظام القديم أصبحت درباً من المستحيل. وبدلاً من الضغط العسكري لفتح المضيق، بات لزاماً على الإدارة الأمريكية أن تبتلع كبرياءها وتتقبل حقيقة أن الصفحة قد طويت، وأن المعادلة قد تغيرت إلى الأبد، وأن التمادي في إشعال الحرائق لن يؤدي إلا إلى اتساع رقعة الأزمة لتلتهم نيرانها الجميع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات