خاص سودان تمورو
في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية، جاءت تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، لتعيد تسليط الضوء على المقاربة الأمريكية للملف السوداني. واشنطن، وعبر لسان مستشارها، أكدت أن استقرار السودان يمثل “ركيزة أساسية لأمن القرن الإفريقي”، ملوحة بـ “مبدأ برلين” كأرضية صلبه للتسوية، ومحذرة في الوقت ذاته من أن استمرار الصراع قد يقود إلى فوضى تهدد السلم الدولي.
بين الرغبة الأمريكية المعلنة في “الاحتواء” ومخاطر “التدويل المباشر”، يقف السودان أمام مفترق طرق استراتيجي يتأرجح بين الحل السياسي الشامل، وبين التحول إلى ساحة صراع دولي مفتوح.
تتحرك الإدارة الأمريكية في الملف السوداني وفق ثلاثة محددات أساسية برزت في التصريحات الأخيرة:
الربط بين أمن السودان والأمن الإقليمي: واشنطن لا تنظر إلى السودان كملف معزول، بل كحجر زاوية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. أي انهيار كامل للدولة السودانية يعني فتح الباب أمام الهجرة غير الشرعية، وتمدد التنظيمات المتطرفة، وتهديد ممرات التجارة العالمية.
الاستناد إلى المرجعيات الدولية (“مبدأ برلين”): الإشارة إلى “مبدأ برلين” تعكس رغبة أمريكية في إيجاد إطار دولي عريض ومشرعن لرعاية التسوية، يضمن تنسيق المواقف بين القوى الكبرى والإقليمية لمنع الانفراد بالملف السوداني.
الدبلوماسية المتشابكة (ملف سد النهضة): ربط المحادثات الأمريكية مع وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموطيوس بملف السودان يوضح أن واشنطن تحاول تفكيك الأزمات الإقليمية كحزمة واحدة، إدراكاً منها أن التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة (خاصة في ملف سد النهضة) يغذي النزاع الداخلي السوداني.
رغم الخطاب الدبلوماسي المتوازن الذي يدعو لوقف الدعم العسكري الخارجي لطرفي النزاع، فإن الانخراط الأمريكي المباشر و”تدويل” الأزمة يحمل في طياته مخاطر كارثية على مستقبل السودان:
- إطالة أمد الصراع وتحويله إلى “حرب بالوكالة”
التاريخ القريب يُظهر أن دخول القوى العظمى على خط الأزمات الداخلية (كما حدث في ليبيا وسوريا) يؤدي غالباً إلى استقطاب دولي مضاد. التدخل الأمريكي المباشر قد يدفع قوى دولية منافسة (مثل روسيا أو الصين) أو قوى إقليمية أخرى إلى تعزيز دعمها لأطراف محلية للحفاظ على مصالحها، مما يحول الصراع من نزاع داخلي على السلطة إلى مواجهة جيوسياسية عالمية كبرى على أرض سودانية.
- تعقيد المسارات الوطنية وتهميش الحلول المحلية
غالباً ما تأتي الحلول الدولية محمومة بأجندات ومصالح الدول الراعية وليس بأولويات الشعوب المعنية. تدويل النزاع وفرض شروط خارجية قد يؤدي إلى صياغة اتفاقيات “هشة” لا تعبر عن الواقع على الأرض، مما يجعلها قابلة للانفجار عند أول اختبار، تماماً كما حدث في اتفاقيات سابقة لم تصمد طويلاً.
- خطر “تفكيك السيادة” واهتزاز الشرعية
التركيز الأمريكي على فرض مسارات محددة والتلويح بالعقوبات أو الضغوط الدولية قد يؤدي إلى إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية. هذا التآكل في السيادة الوطنية يفتح الثغرات أمام التدخلات الاستخباراتية الأجنبية، ويجعل القرار السوداني رهيناً بالعواصم الخارجية.
- تعميق الانقسام الإقليمي
دعوة واشنطن للقوى الخارجية بوقف الدعم العسكري، بالموازاة مع مناقشة ملف سد النهضة، تكشف أن السودان بات ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. التدخل المباشر قد يضغط على دول الجوار لاتخاذ مواقف حادة، مما ينسف جهود الوساطة الإفريقية (مثل الاتحاد الإفريقي أو منظمة الإيغاد) التي قد تكون أكثر فهماً لطبيعة وتركيبة المجتمع السوداني.
الخلاصة: الحاجة إلى توازن دقيق
إن تحذير واشنطن من “الفوضى الأوسع التي تهدد السلم الدولي” هو توصيف دقيق للمشهد، لكن المقاربة الأمريكية يجب ألا تتحول إلى “وصاية” تفرض حلولاً قسرية.
إن المخرج الحقيقي للأزمة السودانية يكمن في استثمار الضغط الدولي الذي تمثله أمريكا لكبح جماح التدخلات الإقليمية السلبية فقط، مع ترك المساحة للقوى السودانية الوطنية لصياغة مشروع سياسي انتقالي حقيقي. بدون هذا التوازن، فإن “التدويل” لن يكون بوابه للاستقرار، بل سيكون الوقود الذي يحيل أزمة السودان من نزاع محلي قابل للاحتواء، إلى حريق إقليمي يصعب إطفاؤه.
