الأربعاء, مايو 20, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيأوراق الجحيم!.. بقلم سعد الدين عطية الله

أوراق الجحيم!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

في قراءة متأنية لمسار التصعيد الأخير، يبدو جلياً أننا أمام انعطافة حادة في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث حمل البيان الرسمي الأخير للحرس الثوري رسالتين استراتيجيتين في غاية الأهمية، تؤسسان لنقطة تحول فاصلة في دالة الردع الإيرانية ضمن هذه الحرب المفتوحة. الرسالة الأولى تكشف عن مفارقة في إدارة المعركة؛ ففي حين ألقت الولايات المتحدة وإسرائيل بكل ثقلهما العسكري وقدراتهما المتاحة في المرحلة الأولى من المواجهة، اختارت طهران، في المقابل، سياسة “الغموض الاستراتيجي”، محتفظة بجزء كبير من ترسانتها وقدراتها النوعية خارج ساحة الفعل المباشر حتى اللحظة.

أما الرسالة الثانية، وهي الأكثر خطورة، فتتضمن إعلاناً رسمياً وصريحاً بأنه في حال تجدد العدوان، فإن شرارة الحرب التي وعد “القائد الشهيد” سابقاً بتمددها إقليمياً -وهو ما تحقق بالفعل- لن تتوقف هذه المرة عند حدود الشرق الأوسط. لقد قررت طهران، وفقاً للبيان، توسيع رقعة الردع لتصبح “حرباً عالمية”، متوعدة بتوجيه ضربات موجعة في نقاط عمياء لم تخطر على بال صانع القرار في واشنطن وتل أبيب.

هذا التحول في الخطاب يعكس تكتيكاً إيرانياً يعتمد على “تدرج الأوراق الرابحة”؛ فبينما اكتفت طهران في المرحلة الأولى باستعراض قوتها الكلاسيكية من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المتعارف عليها، فإنها تجهز مسرح العمليات لمرحلة جديدة ستشهد إقحام قدرات غير مسبوقة وذات أبعاد لا تزال مجهولة للعدو. إن مصطلح “الحرب ما بعد الإقليمية” يعني ببساطة، وبلغة الميدان، أن بنك الأهداف الإيراني قد اتسع ليشمل القواعد الأمريكية الاستراتيجية خارج نطاق الشرق الأوسط، بل وربما يضع الأراضي الأمريكية ذاتها في مرمى النيران، رغم أن هذا الخيار الأخير قد يكون الورقة الأخيرة المؤجلة لمراحل كسر العظم المتقدمة.

وبعيداً عن الحسابات الاستراتيجية المعقدة، فإن الدافع التكتيكي المباشر لهذا التحول العقائدي ينبع من قراءة واقعية للميدان المعادي. فالولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد أن أدركتا حجم الانكشاف الميداني وفقدان الفاعلية للعديد من قواعدهما الإقليمية تحت وطأة الاستهداف، ستتجهان حتماً في المرحلة المقبلة للاعتماد على قواعدهما العسكرية المتمركزة خارج الإقليم. من هنا، جاء الاستباق الإيراني بتوسيع دائرة الاستهداف لتتجاوز حدود المنطقة، في رسالة نارية مفادها أن المظلة الجغرافية البعيدة لن توفر الحماية المنتظرة في المرحلة الثانية من هذه المعركة الكبرى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات