سودان تمورو:
تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، وتحولت ملامح الفرح بالمناسبات إلى قلق ثقيل يطارد المواطنين المنهكين بآلام النزوح والتشرد وغلاء المعيشة. ومع دخول الحرب عامها الرابع، ينتظر الناس قدوم «العيد» وشراء الأضحية، لكنّ كثيرين فوجئوا بأسعار خرافية تجاوزت قدرة معظم الأسر. ويظهر ذلك بوضوح في الحظائر وأسواق المواشي، حيث يتجول المواطنون بنظرات مثقلة بالعجز، يكتفون بالسؤال عن الأسعار قبل أن يغادروا بصمت.
وبات شراء «خروف العيد» أمنية مؤجلة لكثير من الأسر السودانية، بعدما التهمت الحرب مدخراتهم وأفقدتهم مصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع واقع اقتصادي مجهول.
وخلال جولة ميدانية واسعة في أسواق المواشي بمدن الخرطوم وبحري وأم درمان، بدت ملامح الأزمة الاقتصادية واضحة في حركة الأسواق، مع تراجع ملحوظ في الإقبال على شراء الأضاحي والمواشي وسط حالة ركود غير مسبوقة.
وحسب الجولة واستطلاعات رأي هاتفية شملت ولايات الجزيرة (وسط)، والنيل الأبيض (جنوب)، ونهر النيل (شمال)، وكسلا والقضارف (شرق)، تراوح سعر خروف الأضحية بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 175 إلى 375 دولاراً أميركياً، وفق سعر صرف الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز حاجز أربعة آلاف جنيه للدولار الواحد.
وقال عدد من المواطنين إن شراء الأضحية أصبح فوق طاقة كثير من الأسر هذا العام، في ظل تصاعد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الأعلاف والنقل والمحروقات، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المواشي وأضعف القوة الشرائية بصورة لافتة.
وقفز معدل التضخم في السودان خلال أبريل (نيسان) إلى 45.84 في المائة مقارنةً بـ40.84 في المائة في مارس (آذار)، بزيادة بلغت 5 في المائة خلال شهر واحد، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، في مؤشر يعكس تصاعد الأزمة الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، مما فاقم موجة الغلاء ودفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات أعلى.
وأظهرت البيانات ارتفاع التضخم في المناطق الحضرية إلى 49.70 في المائة خلال أبريل، مقارنةً بـ41.33 في المائة في مارس، بينما سجل في المناطق الريفية 43.62 في المائة مقابل 39.53 في المائة الشهر السابق.
أوضاع صعبة
يقول عبودي عادل، (صاحب محل فلافل وطعمية) إنه عاجز عن شراء الأضحية بسبب ضيق الحال، موضحاً أن الحرب دمّرت حياتهم، وأن النزوح المتكرر خلال الفترة الماضية استنزف طاقتهم ومدخراتهم، في وقت أصبحت فيه أسعار الأضاحي فوق قدرة البسطاء، وسط أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة.
ويوضح محمد علي (عامل يومي) أن دخله غير ثابت، إذ يعتمد على العمل اليومي الذي يتوفر أحياناً وينقطع كثيراً، ويشير إلى أن الأسعار أصبحت فوق المعقول، مضيفاً: «أمدد رجلي على قدر لحافي، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
وأشار أحمد عوض (صاحب محل خضراوات وفواكه) إلى أنه لم يحسم أمر شراء الأضحية بعد، وينتظر الذهاب إلى السوق لمعرفة الأسعار أولاً، وما إذا كانت مدخراته القليلة تكفي لشراء خروف. ويضيف أنه متزوج وأب لطفلة، وأن زوجته تتفهم ظروفه الاقتصادية الصعبة.
أما حسن عبد المنعم (سائق تاكسي) فيؤكد أنه رغم رغبته في إدخال فرحة العيد على أطفاله الخمسة، فإنه غير قادر على شراء الأضحية بسبب توقف العمل وتدهور الأوضاع المعيشية. ويشير إلى أنه أنفق معظم مدخراته قبل شهرين على عقيقة مولوده الجديد وتكاليف عملية قيصرية لزوجته.
ويتحدث حسن عن معاناته خلال سنوات الحرب، قائلاً إنه بقي في أم درمان طوال فترة الحصار، وعانى مع أسرته من الجوع والمرض واستنزاف الموارد.
قوة شرائية ضعيفة
يرى عبد الله يوسف (تاجر خراف) أن أسعار الأضاحي ارتفعت بصورة كبيرة هذا العام، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب المستمرة، أثرت بشكل مباشر على حركة الأسواق وسلاسل الإمداد بين الولايات، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف وتكاليف النقل وتراجع قيمة الجنيه السوداني.
ويضيف يوسف أن التجار أنفسهم يواجهون ضغطاً اقتصادياً كبيراً، موضحاً أن كثيراً منهم يحاولون البيع بهوامش أرباح محدودة لتفادي الخسائر والمحافظة على استمرار النشاط التجاري في ظل الظروف الحالية.
وأشار إلى أن ضعف القوة الشرائية لدى المواطنين بات واضحاً هذا الموسم، إذ يكتفي كثيرون بالسؤال عن الأسعار أو تأجيل قرار الشراء بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي فرضتها الحرب على الناس في مختلف المناطق.
تداعيات حرب إيران
رأى الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب لعبت الدور الأكبر في الارتفاع الحاد لأسعار الأضاحي والثروة الحيوانية عموماً، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وتأثر مناطق الإنتاج الرئيسية في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، مما أدى إلى تراجع تدفق الماشية نحو الأسواق في مختلف ولايات السودان.
وأوضح الناير أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالحرب الداخلية وحدها، بل تفاقمت أيضاً بفعل التوترات الإقليمية الأخيرة، خصوصاً تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المحروقات داخل السودان عبر زيادات متتالية خلال فترة وجيزة.
وأكد أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل دفع بأسعار الخراف إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل دخول المواطنين بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة.
وأشار إلى أن غياب المبادرات الحكومية ومشروعات البيع بالأقساط ضاعف معاناة الأسر، بعدما كانت مؤسسات حكومية ونقابات وجهات من القطاع الخاص توفر الأضاحي والسلال الغذائية عبر الاستقطاع الشهري من الرواتب، بما يخفف الأعباء عن العاملين.
وأضاف أن تراجع هذه المبادرات، إلى جانب ضعف الرواتب، جعل حتى موظفي القطاع العام عاجزين عن شراء الأضاحي، في مؤشر يعكس اتساع الأزمة المعيشية واقتراب موسم عيد يثقل كاهل آلاف الأسر السودانية.
وفي بلد أثقلته الحروب المتراكمة والأزمات المستمرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية أو عادة اجتماعية، بل تحولت إلى مؤشر قاسٍ على حجم التدهور الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون. وبينما تتواصل موجة الغلاء وتتآكل القدرة الشرائية يوماً بعد آخر، يبقى السؤال حاضراً في بيوت كثيرة: «كيف يصنع الناس فرحة العيد وهم بالكاد يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية؟».
الشرق الأوسط
