سودان تمورو
مهما كان موقف المرء من إيران، وكيفما كان اصطفافه في الصراع الدائر في منطقتنا، فإن تيقظ المسؤولين الإيرانيين لأدق التغيرات في مؤشرات المشهد الأميركي مالياً ومصرفياً، لا سياسياً، أو حتى اقتصادياً، فحسب، يمثل علامة فارقة تميزهم بالضرورة عن سائر مسؤولي الجنوب العالمي.
كان من ذلك مثلاً، تعليق محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس النواب الإيراني، في صفحته في منصة إكس في 15/5/2026، على الارتفاع غير المسبوق في معدلات الفائدة على السندات الأميركية منذ 2007: “هل تعلمون ما هو أكثر جنوناً من دين يبلغ 39 ترليون دولار؟ أن تُدفع لتمويل هذه الحرب فوائد مرتفعة كما كانت قبل الأزمة المالية الدولية عام 2008، وأن تحصدوا في النهاية أزمة مالية دولية جديدة”.
كان من ذلك أيضاً تعليق عباس عراقتشي، وزير الخارجية الإيراني، في صفحته في منصة إكس في 16/5/2026، على الارتفاع غير المسبوق في معدلات الفائدة على السندات الأميركية، “أن حرب الولايات المتحدة ضد إيران تفرض تكاليف اقتصادية متصاعدة على المواطنين الأميركيين”، مبيناً “أن الأزمة الحقيقية ستبرز حين يبدأ ارتفاع ديون واشنطن وزيادة أسعار الفائدة على الرهن العقاري”.
في المنشورين، جرى إرفاق صور توثق ارتفاع معدلات الفائدة على السندات الأميركية، التي تصدرها وزارة المالية لتمويل عجز الموازنة، إلى أكثر من 5% بالنسبة لسندات الـ 30 عاماً، وأكثر من 4.55% لسندات الـ 10 سنوات، وأكثر من 4% لسندات السنتين.
وإن التنبه إيرانياً لتصاعد مؤشر تلك الفوائد مؤخراً، في حين أبقى الاحتياطي الفيدرالي (معادل البنك المركزي الأميركي) معدل الفائدة الأساس Federal Funds Effective Rate عند 3.64%، في آخر قرار له في 29/4/2026، ضمن متوسط يتراوح بين 3.5-3.75%، هو أمرٌ لافتٌ بالتأكيد، لأن المسؤولين السياسيين نادراً ما يعنون بمثل تلك التفاصيل.
يرسل الاحتياطي الفيدرالي رسالة طمأنة إذاً بأن الأمور تحت السيطرة، مثبتاً معدل الفائدة المرجعي كما كان منذ 10/12/2025، على الرغم من ارتفاع معدلات التضخم أميركياً، وعدم اليقين بشأن الاقتصاد في ظل التوترات الجيوسياسية.
وكان يفترض، بحسب الحكمة السائدة، أن يدعو ذلك إلى رفع معدلات الفائدة، لكنّ توجه ترامب هو لخفض الفوائد، فاكتفى الاحتياطي الفيدرالي بتثبيتها، فإذ بمعدلات الفائدة تعلو في سوق السندات، لأن قوى العرض والطلب في الأسواق الرأسمالية، حيث يجري تداول السندات طويلة المدى، تستبطن المعلومات المتوافرة من المؤشرات الاقتصادية والتوقعات بشأنها، وتعكسها في صورة ارتفاعٍ أو انخفاضٍ أو ثباتٍ في معدلات العائد، على الرغم من أي قرارات حكومية مدفوعة سياسياً.
يشار كذلك في منشور عراقتشي إلى أن ربط ارتفاع عوائد السندات الأميركية، وخصوصاً من فئة العشر سنوات، بارتفاع فوائد الرهن العقاري (أي تمويل شراء المنازل والعقارات) يمثل لفتة خاصة، لأن هذين المعدلين مترابطان بقوة.
تمثل فوائد الرهن العقاري تكلفة الاقتراض لشراء عقار، وهي إما مثبتة مسبقاً عند لحظة سحب القرض، وإما قابلة للتغير بحسب تغير المعدل العام للفوائد، وخصوصاً سندات العشر سنوات. فإذا ارتفعت فوائد الثانية، ترتفع الأولى معها إذا كان معدل الرهن العقاري متغيراً.
فإذا كانت فوائد القروض العقارية ثابتة، فإن القروض العقارية الجديدة وحدها تتحرك مع تغير مؤشر الفوائد. كذلك، إذا كان معدل رهنك العقاري ثابتاً، وارتفع المعدل العام للفوائد، فإن ذلك يحميك من حيث دفعاتك الشهرية، لكن الثمن هو انخفاض قيمة العقار الذي اقترضت لتشتريه، أي قيمة منزلك أو متجرك مثلاً، لأن قيمة الأصل ليست سوى مجموع القيم الحالية لتدفق مستقبلي من عائداته، وبالتالي ينخفض ريعه (أو إيجاره) إذا قررت تأجيره.
وهذا يعني أن كلفة الاقتراض لشراء منزل جديد مثلاً تصبح أكبر مع ارتفاع معدلات الفائدة، وقيم المنازل القديمة غير المسدد قرضها وإيجاراتها تصبح أقل، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين الأميركيين، وخصوصاً من الطبقة الوسطى حاملة لواء “الحلم الأميركي”، وينعكس بالتالي على موقف أولئك المواطنين من الحرب على إيران، ومن سياسات الرئيس ترامب عموماً بالطبع.
وتدور فائدة الرهن العقاري المثبتة حالياً حول 6.51%، في حين تدور فائدة الرهن العقاري القابلة للتغير حول 5.76%، ولا بد من أن تكون الثانية أقل من الأولى لدفع المقترضين لتحمل مخاطرة أكبر ربما تقودهم إلى تعثر الدين إذا ارتفعت الفوائد بصورة كبيرة، وبالتالي إلى احتمال خسارة عقاراتهم.
ولا بد من أن شعر ترامب يتحول من برتقالي إلى أبيض وهو يشاهد ارتفاع معدلات الفوائد على السندات الأميركية، وهو رجل عقارات أساساً، لأن ارتفاع الفوائد على السندات يضغط بشدة من أجل رفع الفوائد المرجعية في الاحتياطي الفيدرالي، وهذا يناقض توجهه إلى خفضها أولاً، من أجل تحفيز عجلة نمو الاقتصاد الأميركي.
كما أن ارتفاع فوائد السندات الأميركية، كما سبقت الإشارة في مادة “عودة إلى ثلاثية أسعار النفط والذهب والدولار الأميركي”، يزيد من الكمية المطلوبة منها، ويزيد بالتالي من الطلب على الدولار الأميركي الذي تُباع تلك السندات به، ويقويه تالياً إزاء العملات الأخرى، الأمر الذي يناقض توجهات ترامب المركنتيلية في خفض العجز في الميزان التجاري، لأن الدولار القوي يعني واردات أرخص أميركياً، وصادرات أميركية أغلى أجنبياً.
وبمقدار ما يُعَد الدولار بديلاً للذهب كملجأ آمن، فإن ارتفاع فوائد السندات الأميركية يجعل اقتناء الدولار أكثر جدوى من اقتناء الذهب بالنسبة إلى المستثمرين الماليين، وبالتالي يخفض سعر الأخير مقابل الدولار، وبالتالي قيمة مقتنيات الذهب التي راكمها المستثمرون سابقاً في محاولة اللحاق بدِوار ارتفاعه والتربح منها.
لكن ارتفاع فوائد السندات الحكومية الأميركية يعني أيضاً:
أ – ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام الأميركي، والتي تبلغ حالياً نحو ترليون دولار سنوياً، في حين يبلغ دين الحكومة الفيدرالية 39 ترليون دولار، وهو دينٌ يزداد بمقدار 5 مليارات من الدولارات يومياً، بحسب تقرير لمجلة “فورتشُن” في 20/5/2026.
ب – تنفيس فقاعة سوق الأسهم التي يتباهى بها ترامب كأحد إنجازاته، لأن أسهم الشركات تصبح أقل جاذبيةً كلما ارتفعت عوائد السندات، إذ إن السندات أقل خطورةً، لكنْ أقل عائداً، فإذا ازدادت عوائدها، بهت لمعان الأسهم في أعين المستثمرين.
جـ – زيادة كلفة الاقتراض بالنسبة إلى الشركات. وتدلل أرقامٌ قياسيةٌ نشرتها وكالة “موديز” على أن سندات الشركات، والتي تصدرها الأخيرة كي تتوسع، أو تستثمر في الأبحاث والتطوير R&D، أو تغطي مصاريفها الدورية أو الطارئة، ارتفعت فوائدها من متوسط 5.31% نهاية العام الفائت إلى 5.42% في نيسان / إبريل الماضي، والحبل على الجرار، وهذا يعوق الاستثمار والحركة الاقتصادية عموماً.
د – إضافةً إلى أثرها الانكماشي على سوق العقارات، كما سبقت الإشارة، فإن ارتفاع حزمة فوائد السندات الأميركية يدفع المصارف إلى رفع فوائد قروض السيارات، وبطاقات الائتمان، والقروض الشخصية، والقروض الطلابية، وغيرها، وهذا يعوق الاستهلاك والحركة والاقتصادية عموماً.
يبقى السؤال الجوهري هنا: ما هو أثر الحرب على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، والتوترات التي تعتري منطقتنا، في ارتفاع معدلات الفائدة على السندات الحكومية الأميركية؟ وهل يصح القول إذاً إن الكلفة الاقتصادية لتلك الحرب في الولايات هي أعلى كثيراً من الـ 29 مليار دولار، لا 25 ملياراً فحسب، التي اعترف بها البنتاغون، بحسب “نيويورك تايمز” في 12/5/2026؟
الجواب هو أن ما تحدث عنه البنتاغون يغطي ما جرى استهلاكه من ذخائر وبعض تكاليف العمليات العسكرية التي قام بها، ولا تغطي تكاليف الدمار الذي لحق بالمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، كما قال جولز هيرست، محاسب البنتاغون أمام الكونغرس، وهو دمارٌ كبيرٌ جداً، ولا تكاليف العتاد المدمر في القتال، ولا كلفة نشر القوات الأميركية وتحريكها.
وكان البنتاغون قد أسرَّ للكونغرس في جلسة مغلقة أن الأيام الستة الأولى من الحرب كلفت 11.3 مليار دولار، بحسب قناة NBC الأميركية في 11/3/2026، وهذا يعني أن التكاليف المباشرة فقط لحربٍ تدوم نحو 40 يوماً سوف تكلف أكثر بكثير من 29 مليار دولار!
لذلك، تقدر مصادر أميركية مستقلة التكلفة المباشرة للقتال على دافع الضرائب الأميركي، بما يتراوح بين 40 و95 مليار دولار، من دون الحديث عن الآثار غير المباشرة، من جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة الزراعية والهيليوم والألمنيوم المستخدم في صناعة السيارات وغيرها.
يكفي التذكير هنا بما تداولته كبريات وسائل الإعلام الأميركية في 18/3/2026، أي قبل إعلان وقف إطلاق النار، من أن البنتاغون طلب 200 مليار دولار إضافية لتمويل الاستمرار في القتال، وهو طلبٌ لا بد من أن يقره الكونغرس.
لكنّ مأساة ترامب هنا أنه يرفض تدخل الكونغرس بشأن الحرب على إيران، وأنه لم ينل موافقته من أجل شنها أصلاً، فكيف يتوسل منه 200 مليار دولار إضافية لتمويلها؟!
ليكن واضحاً إذاً أن تلك عقبة أخرى، مالياً وتشريعياً، أمام استئناف العدوان على إيران تدفع ترامب للبحث عن مخارج أخرى، ليست كلها دبلوماسية بالضرورة، إذ ربما يغوص في جيوب الأنظمة الخليجية مثلاً، أو ربما يلجأ إلى التصرف بجنونٍ.
في جميع الأحوال، يفاقم الإنفاق الحربي أزمة الموازنة الأميركية، الأمر الذي يتطلب مزيداً من الاقتراض، لكنّ المزيد من الاقتراض في ظرف يرتفع فيه معدل التضخم، أولاً، ويزداد فيه عدم اليقين بشأن الاقتصاد، ثانياً، يتطلب طرح السندات الحكومية بمعدلات فائدة أعلى لتعويض المُقرِضين عن معدل مخاطرة أعلى.
وبمقدار ما تضغط إدارة ترامب على الاحتياطي الفيدرالي من أجل عدم رفع معدل الفائدة الأساس، أو المرجعي، يصعب الاقتراض الحكومي إلا إذا جاء بمعدل فائدة أعلى من الحزمة السائدة التي يتحكم فيها الاحتياطي الفيدرالي.
وبمقدار ما أثر إغلاق مضيق هرمز في رفع عام ومستمر في معدل الأسعار، الأمر الذي جرى التطرق إليه في مادة سابقة، وبمقدار ما يأتي إقبال الحكومة الأميركية على الاقتراض من أجل تغطية تكاليف الحرب، سابقاً أو لاحقاً، فإن حرب إيران، نعم، تُعد السبب المباشر لارتفاع معدلات الفائدة على السندات الأميركية.
لكنْ، يقبع في الخلفية هنا عاملٌ بنيوي غير حرب إيران لا يمكن تجاهله، وهو الدين العام الأميركي العملاق، والمتضخم، والذي ينذر بخطر التعثر في السداد، بعد أن بلغ 123.3% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، وهذا يدفع بدوره إلى رفع حزمة الفوائد على السندات الحكومية الأميركية، لأن الحرب لو وقعت إزاء خلفية تبدو فيها مؤشرات المالية العامة الأميركية أقل تأزماً، واحتمالات نمو الاقتصاد الأميركي أكثر تفاؤلاً، لما جاءت الضغوط على معدلات الفائدة بهذه القوة.
أما وقد قدرت الأستاذة في جامعة هارفرد، والمختصة في علم المالية العامة وتمويل الحروب، ليندا بيلمِز، أن التكاليف غير المباشرة للحرب سوف تصل إلى ترليون دولار على مدى عشر سنوات، بحسب قناة CNBC الأميركية في 14/4/2026، فإن ذلك يساوي أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة حالياً، سوف يجري انتقاصها من معدل نموه في السنوات المقبلة في وقتٍ يتصاعد الدين العام، وذلك وحده يدعو لرفع فوائد السندات الحكومية الأميركية.
مؤلف وأستاذ جامعي
