السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بين مستنقع الميدان وانهيار الرواية السياسية ..امل محمود

الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بين مستنقع الميدان وانهيار الرواية السياسية ..امل محمود

سودان تمورو

كشفت التسريبات الإسرائيلية الأخيرة عن واقع لا يمكن تجميله: الجبهة الجنوبية اللبنانية تحولت من عملية “محدودة ومضبوطة” إلى أزمة ميدانية مفتوحة تأكل من رصيد الجيش والقيادة السياسية معاً. ما وصفته وسائل الإعلام العبرية بـ”الارتباك المتزايد” و”الإحباط الواسع” داخل صفوف جيش الاحتلال ليس مجرد انطباع صحفي، بل انعكاس مباشر لفشل مفهومي في إدارة المعركة.
1. الميدان المعقد والأهداف الضبابية
اعتراف الضباط الكبار بأن المشهد “معقد” والأهداف “ضبابية” يكشف جوهر المشكلة. الجيش الذي بنى عقيدته على التفوق الجوي والتكنولوجي والضربات السريعة الحاسمة، وجد نفسه أمام خصم يقاتل بعقيدة استنزاف طويلة، ويستخدم المسيرات والكمائن لإفراغ الميزة التكنولوجية من محتواها. ارتفاع الإصابات بفعل المسيرات تحديداً يشير إلى فشل المنظومات الدفاعية الإسرائيلية في التعامل مع تهديد منخفض الكلفة وعالي التأثير، وهذا بحد ذاته ضربة مباشرة لأسطورة “التفوق المطلق”.
الضبابية في الأهداف تعني غياب تعريف سياسي واضح لما تريده القيادة من هذه الجبهة. هل الهدف إبعاد المقاومة؟ هل هو خلق منطقة عازلة؟ هل هو ردع استراتيجي؟ عندما يغيب الهدف السياسي، يتحول الميدان إلى إدارة خسائر بدل تحقيق إنجاز.
2. المعضلة الوجودية للقيادة الصهيونية
القيادة العسكرية والسياسية اليوم أمام خيارين كلاهما مكلف:
الخيار الأول: الاعتراف بالفشل والانسحاب. هذا يعني ترجمة الهزيمة الميدانية إلى هزيمة استراتيجية معلنة. الانسحاب سيُقرأ في المنطقة والعالم كتأكيد على أن “خط بارليف” الجديد في جنوب لبنان لم يصمد، وأن نظرية الردع الإسرائيلي تعرضت لاهتزاز جوهري بعد 7 أكتوبر وجبهة لبنان.
الخيار الثاني: الاستمرار في المستنقع. البقاء يعني دفع ثمن يومي من القتلى والجرحى والضغط النفسي على الجنود والمجتمع الإسرائيلي، دون أفق سياسي أو عسكري يلوح في الأفق. هذا الخيار يحوّل الجيش من أداة حسم إلى قوة احتلال منهكة، ويمنح المقاومة فرصة ترسيخ معادلة الاستنزاف.
في الحالتين، العامل المشترك هو تآكل ما تبقى من “هيبة الجيش الذي لا يقهر”. هذه العبارة لم تعد شعاراً تسويقياً، بل عبئاً نفسياً على المؤسسة العسكرية نفسها.
3. انعكاسات الفشل على الداخل الإسرائيلي
على المستوى العسكري، الفشل جنوب لبنان يعمّق أزمة الثقة بين القيادة الميدانية والقيادة السياسية، ويزيد من ظاهرة التمل داخل وحدات الاحتياط. الجيش الذي يعاني نقصاً في القوة البشرية منذ حرب غزة، لا يستطيع تحمل جبهة مفتوحة تستنزف موارده البشرية والمعنوية.
على المستوى السياسي، الفشل يضرب مباشرة في شرعية حكومة نتنياهو. أي انسحاب سيُستخدم من المعارضة كدليل على الفشل الاستراتيجي، وأي استمرار سيُستخدم كدليل على المغامرة بدماء الجنود دون خطة. المعارضة الداخلية ستستثمر هذه الأزمة لإعادة تعريف الصراع داخل إسرائيل: هل نحن أمام قيادة قادرة على حماية “الأمن القومي” أم أنها تكرر أخطاء 2006؟
4. دلالة التحول في ميزان الردع
ما يجري جنوب لبنان ليس مجرد اشتباكات حدودية. هو اختبار ميداني لفرضية أن “الإصرار والدم” يمكن أن يهزما “السيليكون والتكنولوجيا”. نجاح المقاومة في فرض معادلة خسائر يومية، وتحويل التفوق الجوي الإسرائيلي إلى عامل محدود الأثر، يعيد تشكيل معادلات الردع الإقليمية.

الرسالة التي تصل إلى جمهور المنطقة واضحة: التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي لكسر إرادة قتالية منظمة ومستعدة للاستنزاف. هذا يفسر لماذا يصف الإعلام العبري المشهد بـ”المعضلة الوجودية” وليس مجرد أزمة عسكرية.

الخلاصة أن جنوب لبنان تحول إلى مرآة تعكس أزمة أعمق داخل الكيان: أزمة هدف، أزمة ثقة، وأزمة رواية. الجيش الإسرائيلي معتاد على خوض حروب قصيرة تنتهي بصورة نصر تلفزيوني. ما يواجهه اليوم هو حرب طويلة بلا صورة نصر، وبلا مخرج سهل. وكل يوم يمر دون حسم، تتحول هذه المرآة إلى شاهد على أن معادلات القوة في المنطقة لم تعد كما كانت.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات