السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةأحدث الأخباركيف ستواجه الإدارات الأهلية في غرب السودان سيطرة "الدعم السريع"؟

كيف ستواجه الإدارات الأهلية في غرب السودان سيطرة “الدعم السريع”؟

سودان تمورو:

قامت الإدارة الأهلية في السودان، ولا سيما في غربه في إقليمي كردفان ودارفور، كإحدى أعمق البنى الاجتماعية – السياسية التي سبقت تشكل الدولة الحديثة، ورافقت تحولات الحكم منذ سلطنة الفور وما بعدها.

في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” منذ عام 2023، أخذت المعارك تتجاوز حدود السيطرة على المدن وخطوط الإمداد، لتقترب تدريجاً من البنية الاجتماعية التي تقوم عليها المجتمعات المحلية في دارفور وكردفان. ومع اتساع رقعة القتال وتراجع مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من غرب السودان، برزت الإدارات الأهلية بوصفها أحد أكثر مراكز النفوذ حساسية وتأثيراً، فهي الجهة التي ظلت لعقود تدير التوازنات القبلية، وتحوي النزاعات المحلية، وتحفظ قدراً من الاستقرار في البيئات الهشة.

أدركت قوات “الدعم السريع” دور هذه الإدارات التي خرجت من الإرث التقليدي لتمثل العمود غير المرئي لضبط العلاقات بين القبائل، وتوفير الحد الأدنى من الشرعية الاجتماعية في المناطق التي تآكل فيها حضور الدولة. ولهذا، تحولت إلى ساحة صراع موازية للحرب العسكرية.

في رواية القيادي المنشق عن “الدعم السريع” علي رزق الله، المعروف بـ”السافنا”، تتبدَّى صورة سيطرة تفرض على بعض الإدارات الأهلية عبر الضغط وتهديد السلاح، إذ وضعت قيادات محلية أمام خيارات قاسية دفعتها إلى التكيف مع الأمر الواقع، مما أسهم في توسيع سيطرة القوات داخل مناطق مختلفة، وسط مخاوف متزايدة من تأثير ذلك في الأوضاع الأمنية والاستقرار المجتمعي.

ولأن طبيعة الحرب الحالية بدأت تتجاوز كسب الولاءات القبلية إلى إعادة تشكيل مراكز السلطة المحلية وفق معادلة القوة المسلحة، أصبح مرجحاً إضعاف البنية الاجتماعية التقليدية وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات المحلية. وبينما اختارت بعض الزعامات القبلية الانتظام في ترتيبات الأمر الواقع، وجدت أخرى نفسها بين حياد قسري ورفض مكلف قد يصل إلى المواجهة المباشرة في بيئة هشة ومثقلة بتاريخ طويل من التنافس على الموارد والنفوذ.

الدور التقليدي

قامت الإدارة الأهلية في السودان، ولا سيما في غربه بإقليمي كردفان ودارفور، كإحدى أعمق البنى الاجتماعية – السياسية التي سبقت تشكل الدولة الحديثة، ورافقت تحولات الحكم منذ سلطنة الفور وما بعدها. فهي لم تنشأ كجهاز إداري بالمعنى المؤسسي، بل كتوازن تاريخي فرضته طبيعة المجتمع الزراعي – الرعوي، واتساع المجال الجغرافي، وضعف القدرة المركزية على ضبط الأطراف. ووفقاً لذلك، برزت الزعامة القبلية كوسيط ضروري بين الجماعة والسلطة، وبين الإنسان والموارد، وبين النزاع وإمكان تسويته.

في وظيفتها الجوهرية، كانت الإدارة الأهلية بنية تنظيم اجتماعي للسيادة المحلية، تنتج الشرعية عبر الأعراف، وتدير الصراع عبر التفاوض، وتعيد توزيع الموارد وفق توازنات دقيقة تحكمها الخبرة التاريخية أكثر من السلطة الشكلية. ومن ثم، أدت دوراً ثلاثياً متداخلاً: فض النزاعات، وتنظيم الأرض والمياه والمراعي، وتوفير قناة اتصال بين المجتمع والدولة أو السلطان.

مع الحقبة الاستعمارية البريطانية، أعيد تشكيل هذا النظام ضمن منطق الإدارة غير المباشرة، فتم تقنين سلطات الزعماء وتعزيز أدوارهم في الجباية، والأمن المحلي، والقضاء العرفي، بما جعلهم جزءاً من جهاز حكم ممتد ولكنه غير مركزي. غير أن هذه العملية، على رغم توسيع سلطاتهم، أعادت أيضاً تعريفهم كأدوات وظيفية ضمن بنية دولة خارجية.

أما بعد الاستقلال، فقد بدأت لحظة التفكك التدريجي، مع صعود الدولة المركزية وسعيها إلى احتكار السلطة والقانون. وتعمق هذا المسار في عهد جعفر النميري بإعادة صياغة ملكية الأرض، وتقليص نفوذ الزعامات، وصولاً إلى تفكيك أجزاء معتبرة من بنيتها التقليدية. ولكن مع مجيء الصادق المهدي عام 1986، أعاد تعزيز دور الإدارات الأهلية وتوظيف شبكاتها في التعبئة الأمنية المحلية، وهو ما استمر بصور أخرى حتى اليوم.

اختراق البنية

يتجلى اختراق قوات “الدعم السريع” لبنية الإدارة الأهلية كعملية إعادة تشكيل بطيئة لمركز الشرعية الاجتماعية، فالقوة، في هذا السياق، لا تكتفي بالانتشار، بل تسعى إلى إنتاج تمثيل محلي يوازي وجودها المسلح، ويمنحه غطاء اجتماعياً يخفف كلفة السيطرة.

اعتمدت هذه المقاربة على ثلاثة مسارات متداخلة: أولها، التحالف القبلي، إذ جرى استثمار الامتداداًت القبلية في دارفور وكردفان لتأمين الحواضن البشرية، عبر كسب ولاء بعض النظار والعمد، بما يحول الانتماء الأهلي إلى مورد تعبئة وليس مجرد رابطة اجتماعية. ثانيها، الإدارة الموازية، عبر الدفع بقيادات محلية جديدة أو موالية وتجاوز البنى التقليدية الراسخة، وهو ما ولد انشقاقات داخل الكيانات القبلية نفسها، كما في بعض إدارات المحاميد، حيث اصطدمت الشرعية التاريخية بمحاولات إعادة تعريف القيادة من خارج تسلسلها التقليدي. ثالثها، الضغط والإزاحة المؤسسية، إذ استخدمت قرارات الإقالة والعزل، سواء عبر سلطات محلية متحالفة أو ضمن بيئات سيطرة عسكرية كأداة لإعادة هندسة الخريطة الأهلية، تحت ذرائع الانحياز أو التحشيد أو خرق القانون.

هذه العمليات لم تنتج اصطفافاً مستقراً بقدر ما ولدت حال استقطاب داخلي، إذ تحولت الإدارة الأهلية من بنية توازن تدار عبر الأعراف إلى ساحة تنازع على تعريف “الشرعية” نفسها. فبدلاً من أن تعمل كجسر بين الدولة والمجتمع، باتت طرفاً في الصراع، ينقسم داخله الولاء بين الحياد القلق والانتظام القسري أو الاصطفاف الكامل.

وتكمن خطورة هذا التحول في أنه لا يكتفي بإضعاف الزعامات التقليدية، بل يعيد تفكيك الثقة المجتمعية من الداخل، إذ تنشأ انقسامات داخل القبيلة الواحدة، ويتآكل الإجماع الأهلي الذي كان يشكل تاريخياً آلية ضبط النزاعات. وهكذا تتحول الإدارة الأهلية من مؤسسة لاحتواء العنف إلى أحد محركاته غير المباشرة، مع كل عملية عزل أو إعادة تعيين تقرأ اجتماعياً كإعادة توزيع قسرية للشرعية لا كإجراء إداري محايد.

تنازع الشرعية

في قلب الحرب في دارفور، يتجاوز الصراع بين محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد “الدعم السريع” وموسى هلال القائد السابق لقوات “الجنجويد” حدود الخلاف الشخصي أو التباين في التموضع العسكري، ليعكس في عمقه تنازعاً على مصدر الشرعية داخل البنية القبلية نفسها، وتحديداً داخل المجال المعقد لعشيرة المحاميد بوصفها أحد المكونات المحورية لقبيلة الرزيقات، وفي مقابلها الامتداد الاجتماعي والعسكري لعشيرة الماهرية التي تشكل الحاضنة الأساسية لقوات “الدعم السريع”.

المعضلة التي واجهت حميدتي منذ صعوده لا تتعلق فقط بتوسيع نفوذه العسكري، بل بإعادة تعريف موقعه داخل الهرم الاجتماعي للقبيلة، هل يظل قائداً لقوة مسلحة ذات جذور قبلية، أم يتحول إلى مركز شرعية يتجاوز الزعامات التقليدية مثل هلال، الذي يمتلك ثقلاً تاريخياً داخل الإدارة الأهلية للمحاميد، وامتداداً اجتماعياً راسخاً في شبكاتها التقليدية.

تقاس قوة المحاميد بقدرتها على إنتاج إجماع أهلي حول الزعامة التقليدية، وعلى التحكم في شبكات الرعي والتحالفات المحلية، وهو ما يجعلها قابلة للتحول من بنية اجتماعية إلى كتلة تأثير سياسي أو حتى عسكري غير مباشر. هذا ما يفسر تمسك قطاعات واسعة من المحاميد بموسى هلال على رغم الانقسامات حول الحرب، باعتباره مرجعية رمزية وتنظيمية يصعب تجاوزها.

في المقابل، تمثل الماهرية نموذجاً مختلفاً، إذ تداخلت فيها البنية القبلية مع الهيكل العسكري لـ”الدعم السريع”، لتتحول إلى ما يشبه “قبيلة – مؤسسة”، إذ تندمج الزعامة الاجتماعية مع القرار العسكري، مما يمنح حميدتي قدرة عالية على الحشد، لكنه يتركه أيضاً معتمداً على تماسك داخلي شديد الحساسية لأي اهتزاز في الولاءات. وهذا التوتر البنيوي هو ما تكشف عنه تصريحات أمراء المحاميد، إذ تجمع بين رفض الوصاية على تمثيلهم، وبين إعادة تعريف الانحياز السياسي بوصفه جزءاً من الهوية الجمعية.

مسارات محتملة

إذا استمر مسار “الدعم السريع” في إعادة تشكيل الإدارات الأهلية عبر آليات الاختيار الموجه، أو الإزاحة، أو خلق مراكز تمثيل موازية، فإن النتيجة الأرجح لن تكون تثبيت السيطرة بقدر ما ستكون إعادة هندسة عميقة للبنية الاجتماعية في دارفور وكردفان، على نحو يبدل قواعد الشرعية نفسها.

على المدى القصير، قد يحقق هذا المسار مكاسب وظيفية، هي تسهيل التعبئة، وضبط المجتمعات المحلية، وتوفير واجهات اجتماعية لسلطة عسكرية تحتاج إلى الغطاء الأهلي. غير أن هذه المكاسب تحمل في داخلها بذور التآكل، إذ تتحول الإدارة الأهلية تدريجاً من وسيط محايد إلى طرف في الصراع، ومن مؤسسة توازن إلى أداة اصطفاف.

ومع تراكم قرارات العزل وإعادة التعيين على أساس الولاء، يعاد تعريف القيادة الأهلية من كونها امتداداً للشرعية التقليدية إلى موقع داخل اقتصاد الحرب، إذ يصبح النفوذ مرتبطاً بمدى القرب من القوة المسلحة لا بعمق القبول الاجتماعي. هذا التحول يفتح الباب أمام نشوء نخب محلية جديدة أكثر ارتباطاً بالبندقية من الذاكرة الاجتماعية، وأكثر هشاشة من حيث القبول المجتمعي طويل الأمد.

على المستوى المتوسط، يتوقع أن تتسع دوائر الانقسام داخل الكيانات القبلية نفسها، مع تراجع قدرة الأعراف على حل النزاعات، وصعود بدائل قسرية أو مسلحة. أما على المدى البعيد، فإن أحد ثلاثة مسارات يصبح مرجحاً، إما تفكك نهائي لوظيفة الإدارة الأهلية لمصلحة كيانات أمر واقع مسلحة، وإما إعادة إنتاجها في صيغة مفرغة من مضمونها التقليدي، وإما محاولات لاحقة لاستعادتها كوسيط محايد بعد انتهاء الحرب، وهي مهمة ستكون أكثر تعقيداً كلما تعمق التسييس الحالي.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات