سودان تمورو
في مشهد سياسي بالغ التعقيد، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد وصل إلى نهاية طريق مسدود، حيث تحولت أزمة تجنيد طائفة “الحريديم” إلى القشة التي قصمت ظهر ائتلافه الحكومي. فبعد تصاعد الخلافات الحادة بين مكونات الائتلاف اليميني، جاء القرار الحاسم من الحاخام لاندو، الزعيم الروحي لحزب “ديغيل هاتوراه”، بإنهاء الشراكة مع نتنياهو والانسحاب رسمياً من الحكومة. هذا الانسحاب جرد الائتلاف الحاكم من أغلبيته البرلمانية الهشة، ودفع بقادة الأحزاب إلى طرح مشروع قانون لحل الكنيست والذهاب نحو انتخابات مبكرة، وهو المشروع الذي حظي بموافقة كاسحة بلغت 110 أصوات في قراءته التمهيدية مؤخراً، ليضع إسرائيل على مسار انتخابات حتمية خلال 90 يوماً بعد إقرار القانون بقراءاته الثلاث.
لم تكن هذه النهاية الدرامية وليدة اللحظة، بل هي تتويج لنزاع طويل ومحتدم حول مسألة تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم). ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الأغلبية الساحقة من الشارع الإسرائيلي، بل وحتى داخل القواعد الشعبية لحزب الليكود الحاكم، بضرورة إلزام الحريديم بالخدمة العسكرية -وهو ما يدعمه الجيش بشدة لسد عجزه البشري- اتخذت الأحزاب الدينية المتشددة من هذا الملف خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. وقد لوحت هذه الأحزاب مراراً بإسقاط الحكومة إن لم يتم تمرير “قانون بيسموت” الذي يضمن تمديد إعفائهم من الخدمة العسكرية.
أمام هذه المعادلة الصفرية، وجد نتنياهو نفسه في فخ سياسي محكم؛ فالانحياز لمطالب الشارع والجيش يعني خسارة حلفائه الحريديم الذين يمثلون شريان الحياة لحكومته، والانصياع لمطالب الحريديم يعني نزيفاً حاداً في الخزان الانتخابي لحزب الليكود. وفي محاولة بائسة لشراء الوقت، قرر نتنياهو ترحيل التصويت على القانون إلى الكنيست القادم، وهو ما اعتبره حزب “ديغيل هاتوراه” طعنة في الظهر استوجبت الخروج الفوري من الائتلاف، لتلحق به أحزاب أخرى كشاس ويهدوت هتوراة في مسار فك الارتباط بدرجات متفاوتة.
هذا التصدع يفرض واقعاً قاتماً على المستقبل السياسي لنتنياهو؛ فخسارة الكتلة الحريدية التي كانت تسيطر على 18 مقعداً في الكنيست المنحل، تعني انهيار فرصته في تشكيل أي حكومة يمينية قادمة. التاريخ السياسي لإسرائيل يثبت أن الأحزاب الحريدية تحركها براغماتية مفرطة ومصالح ضيقة، وإذا استشعرت أن نتنياهو لم يعد الحصان الرابح القادر على تأمين امتيازاتها، فلن تتردد في الانقلاب عليه والبحث عن حليف جديد.
وما يزيد الطين بلة بالنسبة لنتنياهو، هو التداعيات القانونية والعملية لحل الكنيست. فالحكومة الحالية ستتحول فوراً إلى “حكومة تصريف أعمال” مكبلة الصلاحيات، تقتصر مهمتها على تسيير الشؤون اليومية دون أي قدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية طويلة الأمد، أو إجراء تعيينات سيادية، أو تمرير إصلاحات هيكلية. وفي ظل حالة الحرب الطاحنة التي تخوضها إسرائيل، يعتبر هذا الشلل المؤسسي أسوأ كابوس يمكن أن يواجهه نتنياهو.
علاوة على ذلك، فإن تحول المشهد الإسرائيلي إلى ساحة معركة انتخابية سيلقي بظلاله الثقيلة على مسار العمليات العسكرية. فأي تحرك عسكري أو تصعيد محتمل ضد محور المقاومة أو إيران، سيُنظر إليه بعدسات انتخابية بحتة، وسيتهم نتنياهو بتوظيف دماء الجنود كورقة دعاية سياسية. هذا الضغط الشعبي والإعلامي قد يجبره على إرجاء الكثير من خططه العسكرية، وهو تراجع تكتيكي يضعف موقفه الداخلي المتأزم أصلاً.
في المحصلة، يقف نتنياهو اليوم وحيداً في مواجهة عاصفة كاملة. فجبهة الشمال تشتعل على وقع ضربات حزب الله، والوعود الرنانة بالقضاء على حماس ونزع سلاحها، أو تدمير قدرات المحور وضرب المنشآت النووية الإيرانية، تبخرت جميعها على صخرة الواقع، مما هوى بشعبيته إلى الحضيض. ومع الفشل الذريع في تفكيك لغم التجنيد، يبدو أن حلفاء الأمس من الحريديم قد يتحولون في صناديق الاقتراع القادمة إلى الخصم الذي يكتب السطر الأخير في مسيرة نتنياهو السياسية.
