خاص سودان تمورو
الحرب في السودان لم تعد قتالاً بين الجيش وقوات الدعم السريع فقط، بل تحولت إلى ملف إقليمي معقّد، ومركز الثقل فيه العلاقة المتوترة بين الخرطوم وأبوظبي. فبين موقف شعبي سوداني متصلب يحمّل الإمارات مسؤولية إطالة أمد الحرب، وتصريحات منسوبة للفريق البرهان عن انفتاح مشروط على الحوار، ونفي رسمي من مجلس السيادة، تبدو مسألة المصالحة معلّقة بين السياسة والميدان والشارع.
- أصل الأزمة: اتهامات بالدعم وشعور بالخيانة فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تتهم الخرطوم بشكل متكرر الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي ومالي لقوات الدعم السريع.
تقارير صحفية تحدثت عن شحنات أسلحة وصلت تحت غطاء مساعدات إنسانية، واستخدام طائرات مسيّرة قاتلة مصدرها أبوظبي.
على الأرض انعكس ذلك في تمدد جرائم الدعم السريع: تطهير عرقي في دارفور، قتل على الهوية، اغتصاب، نهب، وتشريد جماعي. هذا المشهد أنتج موقفاً شعبياً سودانياً غاضباً يرى في أبوظبي “شريكاً في الجريمة” ويعتبر أي تقارب معها خيانة لدماء الضحايا.
الإمارات تنفي الاتهامات باستمرار، وتقول إنها تدعم الاستقرار والمساعدات الإنسانية فقط. لكن الصور الفضائية وتقارير خبراء دوليين عززت رواية الخرطوم.
تصريحات البرهان ونفي مجلس السيادة: رسالة إرباك أم تكتيك تفاوضي؟
في 21 مايو 2026 نشر موقع Middle East Eye تقريراً نقل فيه عن البرهان قوله إنه “مستعد للدخول في محادثات سلام مع الإمارات، لكن يجب أن تُجرى وفق شروط السودان” وأهمها وقف دعم الدعم السريع واحترام وحدة السودان.
التصريحات أثارت ضجة داخلية، لكن بعد ساعات أصدر إعلام مجلس السيادة بياناً قال فيه إن ما نُسب للبرهان “غير صحيح” وإنه لم يُدلِ بأي تصريحات لأي وسيلة إعلامية محلية أو دولية خلال الفترة الماضية.
هذا التناقض يعكس معضلة الخرطوم:الجناح العسكري المتشدد يرفض أي تسوية مع أبوظبي طالما استمر دعم الدعم السريع، وصعود شخصيات مثل ياسر العطا قوّى هذا الخط.
الجناح البراغماتي يرى أن قطع كل جسور التواصل مع الإمارات يغلق باب تسوية إقليمية قد تخفف الضغط الاقتصادي والسياسي على السودان.فربما كان ما نُشر “بالون اختبار” لقياس رد فعل الشارع والجيش قبل اتخاذ قرار رسمي.
. ما مدى إمكانية المصالحة اليوم؟المصالحة ممكنة نظرياً، لكنها تواجه ثلاث عقبات:أولاً: شرط وقف الدعم
البرهان نفسه جعل وقف دعم الدعم السريع شرطاً مسبقاً لأي حوار. ما لم تغيّر أبوظبي سياستها على الأرض، فأي لقاء سيكون شكلياً ومحكوماً بالفشل كما حدث في محادثات واشنطن العام الماضي التي انهارت فوراً.
ثانياً: الموقف الشعبي
الشارع السوداني يعتبر قضية الدعم الإماراتي للدعم السريع مسألة سيادة وكرامة، وليست تفاوضية. أي تقارب دون اعتراف بالخطأ وتعويض سيُقرأ كـ”تنازل مقابل لا شيء”، وسيضع القيادة في مواجهة مباشرة مع الشارع.
ثالثاً: المصالح الإقليمية المتقاطعة
البحرين تقود وساطة حالية مستفيدة من علاقتها الوثيقة بأبوظبي. السعودية ومصر والولايات المتحدة لديهن مصلحة في احتواء الأزمة، لكن كل طرف لديه أجندته. فالإمارات ترى في الدعم السريع أداة نفوذ اقتصادي وأمني على البحر الأحمر ومناطق الذهب، والتخلي عنها يعني خسارة نفوذ.
. أثر استمرار الأزمة على الشعبين والمنطقةعلى السودان: استمرار الدعم الخارجي للدعم السريع يعني استمرار الحرب واستنزاف الجيش والمواطن. كل يوم قتال يعمّق الكارثة الإنسانية ويُضعف سيادة الدولة، ويحوّل أجزاء من السودان إلى ساحات معارك مفتوحة. على الإمارات ان تدرك ان ربط اسمها بدعم مليشيا متهمة بجرائم حرب يضر بصورتها الدولية، ويفتحها على ملاحقات قانونية وضغوط غربية. كما يعرّض استثماراتها في الموانئ والزراعة في السودان للخطر.
وعلى المنطقة السودان بوابة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. واستمرار الفوضى فيه يهدد أمن الملاحة، ويفتح الباب لتمدد الجماعات المسلحة، ويعقّد ملفات اللاجئين والأمن المائي مع مصر وإثيوبيا
ماذا يلزم لطي صفحة الخلاف؟المصالحة لن تحدث ببيان صحفي بل تحتاج إلى:
وقف فعلي للدعم العسكري والمالي للدعم السريع، مع آلية تحقق دولية.اعتراف سياسي بالخطأ واعتذار رمزي يمتص غضب الشارع السوداني.
مسار تعويض وإعمار يموّل إعادة تأهيل المناطق المتضررة، خصوصاً دارفور والخرطوم.
ضمانات سيادة: أي علاقة مستقبلية يجب أن تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام قرار السودان السيادي.وبدون هذه الخطوات، سيبقى أي حديث عن مصالحة مجرد مناورة إعلامية
.الخلاصة
الموقف اليوم هو “حوار مشروط ضد جدار شعبي صلب”. البرهان يريد نافذة تفاوض لتخفيف العزلة، والشارع يريد محاسبة قبل المصافحة. والإمارات أمام خيار: إما مراجعة سياستها وتقديم كلفة سياسية مقبولة للتراجع، أو قبول استمرار القطيعة مع ما تعنيه من استنزاف لسمعتها ومصالحها.واستمرار الأزمة لا يخدم إلا أطراف الحرب. أما الشعبان السوداني والإماراتي، فهما الخاسر الأكبر من قطيعة لم يصنعاها بأيديهما.
