سودان تمورو
بعد نحو ثلاثة أشهر من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، بدأت ارتدادات أزمة الطاقة تتجاوز أسواق النفط لتطال تفاصيل الحياة اليومية داخل الولايات المتحدة، من محطات الوقود إلى الموانئ والمدارس والخدمات العامة.
ومع تصاعد أسعار الطاقة واتساع الضغوط على الشركات لنقل تكاليفها إلى المستهلكين، سجّل التضخم في أسعار الجملة ارتفاعاً ملحوظاً خلال شهر نيسان/إبريل، إذ ارتفعت أسعار المنتجين بنسبة 6% مقارنة بالعام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاث سنوات، وفق بيانات وزارة العمل الأميركية منتصف أيار/مايو الجاري.
ويشكل مضيق هرمز محوراً أساسياً لهذه الاضطرابات، إذ أدى إغلاقه إلى هزة واسعة في إمدادات النفط العالمية، مع تعطّل جزء كبير من حركة الشحن، ما دفع الأسواق إلى استنزاف المخزونات النفطيّة واللجوء إلى إجراءات طارئة لتفادي اتساع تداعيات الأزمة.
كاليفورنيا في قلب الأزمة
في ولاية كاليفورنيا، سجّل البنزين أعلى مستوياته في الولايات المتحدة، مع بلوغ متوسط سعر الغالون 6.14 دولارات مطلع العشرية الأخيرة من أيار/مايو الجاري، مقارنة بمتوسط 4.53 دولارات على مستوى البلاد، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA).
ويدفع مستخدمو السيارات في الولاية فعلياً أعلى أسعار للبنزين منذ عام 2022، في ظل ارتفاع الضرائب المخصّصة لتمويل النقل العام وإصلاح البنية التحتية وتراجع طاقة التكرير المحلية.
كما تُلزم القوانين البيئية الأميركية باستخدام البنزين منخفض الانبعاثات، وتُمثل كاليفورنيا إحدى أشد الولايات صرامة في هذا المجال، ما يرفع الكلفة النهائية مقارنة ببقية الولايات.
وتُعد كاليفورنيا الولاية الأميركية الأكثر سكاناً، بما يقدّر بنحو 39.5 مليون نسمة، وفق تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي، كما تمتلك أحد أكبر الاقتصادات في العالم، ففي عام 2025، احتلّت المرتبة الرابعة على مستوى العالم متجاوزة بذلك اليابان.
وبرغم هذا الثقل الاقتصادي، حذّرت إدارة المالية في الولاية، في ملخص ميزانيتها الأخير، من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يفاقم الضغوط التضخّمية ويقلّص القدرة الشرائية للأُسر، في وقت تواجه فيه الشركات والخدمات العامة تكاليف تشغيل متزايدة.
وقد بدأت تداعيات أزمة الطاقة تظهر بوضوح على سلوك السكان في الولاية، لا سيما مع اعتماد شريحة واسعة منهم على السيارات الخاصة، بما في ذلك المركبات عالية الاستهلاك للوقود مثل سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الخفيفة.
وفي محاولة للتخفيف من الأعباء المتصاعدة، بات البحث عن بدائل أقل كلفة جزءاً من نمط الحياة اليومي في الولاية، عبر إعادة حساب كلفة الرحلات اليومية وتقليص التنقلات غير الضرورية، إلى جانب زيادة الاعتماد على وسائل النقل العام.
العمال وسلاسل الإمداد في المواجهة
ينعكس تأثير ارتفاع أسعار الوقود في كاليفورنيا بشكل مباشر على مئات الآلاف من العاملين في قطاعات تعتمد على الحركة اليومية للبضائع والخدمات، داخل اقتصاد يتجاوز حجمه 4.1 تريليون دولار ويشمل مجالات واسعة مثل الخدمات اللوجستية والتصنيع والزراعة والتكنولوجيا والتجارة والنقل البحري.
وفي موانئ لوس أنجلوس ولونغ بيتش، أحد أكبر مراكز الشحن على الساحل الغربي، ترتفع كلفة وقود السفن التي تنقل البضائع إلى الموانئ الأميركية، وهي أعباء تُضاف في النهاية إلى تكاليف السلع الاستهلاكية، ما يوسّع دائرة التأثير لتصل مباشرة إلى المستهلك.
كما ترتبط أكثر من 200 ألف وظيفة في المنطقة بحركة النقل والتجارة عبر هذه الموانئ. ومع ارتفاع تكاليف الشحن، تتزايد الضغوط على العاملين، ليصبح كل ارتفاع جديد في الأسعار عبئاً إضافياً يضغط على الدخل اليومي وكلفة العمل في قطاع لا يتوقف عن الحركة.
وتمتد تداعيات الأزمة أيضاً إلى قطاع النقل البري في الولاية، من سيارات الركاب إلى الشاحنات الثقيلة، إذ تشير بيانات نقلتها منصة “كال ماترز” (CalMatters)، المتخصصة في تغطية السياسات والاقتصاد والشؤون العامة في ولاية كاليفورنيا، إلى ارتفاع تكاليف الوقود بنحو 44% منذ بداية الحرب. وينعكس ذلك على ملايين السائقين وعمال الشاحنات الذين يواجهون اتساع الفجوة بين كلفة التنقل ومتطلبات الحياة اليومية.
أما القطاع الزراعي في كاليفورنيا، ويعدّ الأكبر على مستوى البلاد، فيتجلى التأثير المتزايد مع اعتماد المزارعين بشكل واسع على الديزل لتشغيل المعدات الثقيلة في الزراعة والحصاد والنقل، ما يجعل كلفة العمل عرضة للتفاقم مع ارتفاع أسعار الوقود.
وإلى جانب ذلك، يؤدي ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة كلفة إنتاج الأسمدة، باعتباره مادة أساسية في تصنيعها، ما يضيف ضغوطاً جديدة على قطاع يشكل جزءاً محورياً من الأمن الغذائي داخل الولاية وخارجها.
إرباك النقل المدرسي والخدمات التعليمية
وضعت أزمة الوقود المدارس والمؤسسات التعليمية في كاليفورنيا أمام ضغوط مالية متزايدة، دفعت بعضها إلى تقليص الإنفاق وإعادة توزيع الميزانيات لتغطية تكاليف التشغيل.
وتعتمد المدارس على البنزين والديزل في تشغيل بعض المرافق ونقل الطلاب. وفي ولاية تمتد على نحو 424 ألف كيلومتر مربع، تتطلب بعض الأنشطة المدرسية والرحلات ونقل الفرق الرياضية بين المدارس ساعات طويلة من التنقل، ما يضاعف تأثير ارتفاع أسعار الوقود على التعليم والخدمات المرتبطة به.
وتبدو التداعيات أكثر وضوحاً في المناطق الريفية من كاليفورنيا، حيث تعتمد المدارس على الحافلات لنقل الطلاب لمسافات طويلة يومياً، ضمن ميزانيات محدودة لا تسمح باستيعاب الارتفاع المستمر في أسعار الوقود، ما دفع بعض الإدارات إلى تقليص برامج وأنشطة تطويرية لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية.
في مناطق تعليمية أخرى، تتسبب أسعار الديزل المرتفعة منذ اندلاع الحرب في استنزاف الميزانيات، ما يدفع إدارات التعليم في عدد من الولايات، من واشنطن إلى تكساس وألاسكا، إلى اللجوء إلى احتياطيات الطوارئ لتأمين الوقود وضمان استمرار تشغيل الحافلات والمرافق.
وأظهر استطلاع أجرته جمعية مديري المدارس الأميركية (AASA)، خلال الأسبوع الأول من أيار/مايو، شمل 188 مسؤولاً تربوياً، أن نحو ثلث المناطق التعليمية تعيد توجيه أموال من برامج أو صناديق أخرى لتغطية ارتفاع تكاليف الوقود، فيما يلجأ نحو خُمسها إلى الاحتياط أو صناديق الطوارئ. كما تتخذ إدارات التعليم إجراءات تقشفية تشمل دمج خطوط الحافلات وتأجيل الصيانة وتقليص عدد الموظفين وخدمات الدعم المقدمة للطلاب.
تداعيات ممتدة
برغم أن تداعيات الأزمة تبدو أكثر حدة في ولاية كاليفورنيا، فإنها تمتد إلى الولايات الأميركية الأخرى، وتنعكس على قطاعات واسعة وتطال آثارها الغذاء والسلع الأساسية. وتعدّ الأسر ذات الدخل المنخفض الأكثر تأثراً، إذ برغم تقليص استهلاكها من المحروقات منذ بداية الحرب، فإنها اضطرت في المقابل إلى إنفاق المزيد عند محطات الوقود.
وتشير التقديرات إلى أن اضطرابات الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز تواصل الضغط على المخزونات النفطية العالمية بوتيرة متسارعة، مع احتمال استمرار ارتفاع أسعار الوقود كلما طال أمد الحرب.
وفي المحصلة، فإن ارتفاع تكلفة تعبئة خزانات الوقود يحدّ من الدخل المتاح للإنفاق لدى الأسر، سواء على الغذاء والضروريات أو على أنشطة الحياة اليومية، كما ينعكس في الوقت نفسه على الشركات التي تواجه بدورها ارتفاعاً في تكاليف التشغيل المرتبطة بالطاقة.
