الأربعاء, مايو 27, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمأساة الأرض والإنسان: بهجة غائبة وتكبيرات تخنقها العَبَرات

مأساة الأرض والإنسان: بهجة غائبة وتكبيرات تخنقها العَبَرات

 خاص سودان تمورو

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

بيتُ شعرٍ قديم يُلخّص، بمرارة غير مسبوقة، واقع الحال في السودان اليوم. فبينما تستقبل الشعوب الإسلامية أعيادها بالفرح والتكبير والملابس الجديدة، يستقبل السودانيون العيد تحت سماءٍ تُمطر قذائف، وأرضٍ تنزف وجعاً، وفي بيوتٍ خلت إلا من الخوف، والجوع، وذكريات أحبةٍ رحلوا أو تشتتوا في منافي الأرض.

لقد غابت عادات العيد السودانية الجميلة؛ غابت “الخبائز” التي كانت تصنعها الأمهات وسط ضحكات الأطفال، واختفت تجمعات “البلاد” وصلاة العيد في الساحات المفتوحة التي تحولت الآن إلى ساحات للمعارك أو مقابر جماعية مجهولة ؛ وغابت الاضاحى عند الكثيرين ولم يعد الاهل يجتمعون كما فى السابق ؛ و حلّت مكبّرات الصوت التي تبث إنذارات القصف بدلاً من تكبيرات العيد، واستُبدلت ثياب العيد الجديدة بملابس بالية يرتديها النازحون في مراكز الإيواء، حيث تلتف العائلات حول بعضها لا للمعايدة، بل للاحتماء من شظية طائشة أو رصاصة غادرة.

انعدام الأمن بات هو الثابت الوحيد في حياة السودانيين. فالمدن التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى مدن شبح، والقرى الوادعة أصبحت مسرحاً للانتهاكات والنهب والتشريد القسري.

العيد في السودان اليوم ليس مناسبة للفرح، بل هو جرد حسابٍ مؤلم للخسائر: مَن مِن الأهل ما زال حياً؟ ومَن منهم يجد سقفاً يأويه؟

ثالوث الموت: الحرب، والفقر، وشبح المجاعة

لا تكتمل مأساة الحرب في السودان دون النظر إلى الوجه الآخر للعملة: الانهيار الاقتصادي الحاد وانتشار المجاعة. لقد تحول السودان، الذي كان يُوصف يوماً بأنه “سلة غذاء العالم”، إلى أرضٍ ينهش الجوع أجساد أطفالها.

  • الفقر المدقع: فقدت ملايين الأسر مصادر دخلها بالكامل، وانهارت القوة الشرائية، وتوقفت الرواتب، مما جعل توفير وجبة واحدة في يوم العيد امرا يصعب على الكثيرين توفيره.
  • شبح المجاعة الشاملة: تقارير المنظمات الإنسانية تصرخ وتحذر من مجاعة حقيقية تطرق أبواب الملايين، حيث باتت الأمهات يغشين أطفالهن بالماء المغلي ليقنعوهم بالنوم، في عيدٍ لا كعك فيه ولا طعام.

خذلان دولي: المجتمع الدولي وعجز التمويل

أمام هذه المأساة الإنسانية التي وُصفت بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، يقف المجتمع الدولي موقف المتفرج العاجز. هناك فجوة هائلة وصادمة في تمويل خطط الاستجابة الإنسانية؛ فالنداءات الدولية لإغاثة السودان لا تلقى سوى وعود شحيحة، وكأن دماء السودانيين ومعاناتهم سقطت من حسابات الضمير العالمي.

عجز المجتمع الدولي لم يتوقف عند نقص تمويل الإغاثة والغذاء والدواء، بل امتد ليكون عجزاً سياسياً ودبلوماسياً فاضحاً.

“إن استمرار الحرب في السودان وسط صمت دولي هو وصمة عار على جبين الإنسانية، حيث يُترك شعب كامل لمصيره بين مطرقة السلاح وسندان الجوع.”

أفق مسدود: غياب الرؤية لإيقاف الحرب

المأساة الأكبر التي تعتصر قلوب السودانيين في هذا العيد هي غياب أي ضوء في نهاية النفق. لا توجد حتى الآن رؤية واضحة أو إرادة سياسية حقيقية من أطراف النزاع لإيقاف هذه المحرقة. المبادرات الدولية والإقليمية تولد ميتة أو تتعثر في مهدها، والهدنات -إن أُعلنت- لا تصمد لساعات، مما يترك المواطن السوداني في حالة من اليأس والإحباط، معزولاً عن أي أمل قريب في العودة إلى بيته وإنهاء معاناته.

خاتمة: ويبقى الأمل السوداني عصياً على الانكسار

رغم هذا السواد الحالك، ورغم الجوع والخوف والخذلان، يسطر الشعب السوداني ملحمة من التكافل الإنساني تذهل العقول. ففي غياب الإغاثة الدولية، تنشأ “مطابخ التكايا” المبادرة من الشباب المتطوعين لإطعام الجائعين، وتقاسم الجيران لقمة العيش الشحيحة، ليكون هذا التضامن هو “عيدية” السودانيين لبعضهم البعض.

سيمضي هذا العيد مثقلاً بالدموع والآهات، لكنه سيسجل في التاريخ أن شعباً بأكمله أُريد له أن ينكسر ويجوع، فآثر أن يتقاسم الكرامة والصبر، في انتظار فجر جديد يطوي صفحة الحرب، ويعيد للسودان وأهله البسمة والسلام والأمان.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات