الأربعاء, مايو 27, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيلماذا تقاتل الصين بشراسة لحماية بوابتها الإيرانية؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

لماذا تقاتل الصين بشراسة لحماية بوابتها الإيرانية؟.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو:

تثير المواقف الصينية الأخيرة في أروقة الأمم المتحدة حالة من التساؤل، خاصة بعد الانتقادات اللاذعة التي وجهها مندوب بكين للقرار “الأمريكي-البحريني” بشأن أزمة مضيق هرمز. هذا الموقف يبدو في ظاهره متناقضاً مع التصريحات القادمة من أروقة إدارة ترامب، والتي تدعي أن القيادة الصينية أبلغتها في بكين بموافقتها الصريحة على إبقاء المضيق مفتوحاً. لكن القراءة المتأنية لهذا التباين تكشف أن جوهر الخلاف يكمن في الاختلاف الجذري حول تعريف مفهوم “فتح المضيق” ذاته. فبالنسبة للدبلوماسية الصينية، يعني فتح المضيق استمرار شريان الحياة التجاري؛ أي تدفق النفط والغاز والبضائع، واستمرار التبادلات المالية بسلاسة. وهذا الفهم البراغماتي لا يتعارض بالضرورة مع فكرة استحداث آلية إقليمية لفرض رسوم عبور، إذ تدرك بكين أن تدفق النفط لن يتوقف بمجرد فرض رسوم، وأن ما يغلق المضيق فعلياً هو الحصار العسكري والانسداد التام، وليس دفع ضريبة مرور.

ورغم أن الخيار الأمثل للصين هو بقاء المضيق مجانياً بالكامل، إلا أن الواقعية السياسية جعلتها تبدي مرونة لافتة تجاه بعض المقترحات البديلة. فقد أظهرت بكين استعداداً للتعايش مع آلية إقليمية تفرض رسوماً تحت غطاء “تكاليف الإدارة البيئية”، وهو مخرج دبلوماسي ذكي يفرض الرسوم دون أن يطلق عليها هذا الاسم. ومن المفارقات أن إدارة ترامب ذاتها قد تبتلع هذا الطرح وتتعايش معه، شريطة ألا تنفرد طهران ومسقط بإدارة هذه المنظومة وأن تتسع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى. لكن هذا الحل البراغماتي يصطدم برفض قاطع من دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً الإمارات والبحرين، اللتين تعارضان الفكرة بشراسة حتى وإن كانتا جزءاً من هذه الآلية. وتستند هذه الدول في رفضها إلى مقاربة، تتطابق بشكل مثير للاهتمام مع الرؤية الإسرائيلية، ترى أن أي ترتيب من هذا النوع سيمنح طهران وزناً جيوسياسياً مضاعفاً، مفضلةً بدلاً من ذلك خيار التصعيد وعودة الولايات المتحدة إلى قصف الأهداف الإيرانية.

ولا تتوقف دوافع الرفض الصيني للقرار “الأمريكي-البحريني” عند حدود الرسوم المائية، بل تمتد إلى ما هو أعمق في لعبة الشطرنج الدولية. فالقرار، الذي حظي بدعم أكثر من 100 دولة في الأمم المتحدة، يحمل في طياته فخاً قانونياً خطيراً. ورغم أنه في نسخته الحالية لا يندرج تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن بكين تدرك بوعي استراتيجي أنه يمهد الطريق لقرار لاحق تحت هذا الفصل، مما سيشرعن في النهاية استخدام القوة العسكرية ضد طهران. وقد تجلى هذا الحذر الصيني-الروسي مسبقاً حين استخدما حق النقض (الفيتو) ضد نسخة سابقة من القرار؛ فرغم خلوها من العبارة الصريحة “التصرف بموجب الفصل السابع”، إلا أنها تبنت منطق المادة 39 بنصها على أن “تصرفات إيران تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين”.

هذه التكتيكات الدبلوماسية مألوفة في أروقة مجلس الأمن، فالقرارات الأولية غالباً ما تكون بمنزلة “حصان طروادة” لقرارات الفصل السابع اللاحقة، وهي المرحلة التي يصبح فيها الثمن السياسي لاستخدام الفيتو باهظاً للغاية على موسكو وبكين. لذلك، تفضل الصين وأد هذه التحركات في مهدها بأقل تكلفة ممكنة، وهو تكتيك استنسخته واشنطن نفسها على مدار عقود لإجهاض أي قرار قد يفرض ضغوطاً، ولو رمزية، على إسرائيل.

غير أن الهاجس الأكبر الذي يقض مضاجع صناع القرار في بكين يتجاوز أروقة الأمم المتحدة ليصل إلى صميم أمنهم القومي للطاقة. فالصين تدرك يقيناً أن نجاح واشنطن في تركيع طهران، وإسقاط نظامها، والسيطرة على مقدراتها النفطية، سيضع بكين في مأزق استراتيجي خانق، مستحضرةً السيناريو الكارثي في فنزويلا. فبعد أن تمكنت إدارة ترامب من إسقاط مادورو في أواخر ديسمبر 2025، تهاوت صادرات النفط الفنزويلي نحو الصين وآسيا بنسبة مروعة بلغت 92%، متراجعة من متوسط 600000 برميل يومياً في عام 2025 إلى مجرد 48000 برميل في فبراير 2026، وهو النفط الذي كان يغذي في معظمه شرايين الاقتصاد الصيني.

أمام هذا المشهد القاتم، تدرك بكين أنه لا ضمانات تمنع دول الخليج من الرضوخ للضغوط الأمريكية لقطع إمدادات النفط عن الصين في حال نشوب أزمة كبرى. وتبقى إيران، في الحسابات الصينية الجيو-استراتيجية، الدولة الخليجية الوحيدة التي تملك الإرادة والقدرة على الصمود في وجه الإملاءات الأمريكية. وعليه، فإن تمرير أي قرار أممي يشرعن استخدام القوة ضد طهران لا يعني بالنسبة للصين مجرد التخلي عن حليف إقليمي، بل يعني تسليم أمنها الطاقي ووضع عنقها طواعية تحت مقصلة النفوذ الأمريكي في المستقبل.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات