الخميس, مايو 28, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارنيروبي مجدداً.. هل ولدت خارطة طريق السودان أم دُفنت مع سابقاتها؟

نيروبي مجدداً.. هل ولدت خارطة طريق السودان أم دُفنت مع سابقاتها؟

خاص سودان تمورو
التقت قوى سياسية ومدنية سودانية في العاصمة الكينية نيروبي مؤخرا لتخرج بوثيقة قالت إنها “خارطة طريق لإنهاء الحرب”، معلنةً ما وصفته باستحالة الحسم العسكري. لكن الصدى الأولي لم يكن حماسياً. مراقبون رأوا أن الاجتماع لم يأت بجديد، وأنه سيُلاقي مصير اجتماعات سابقة دُفنت في أدراج النسيان.
السؤال الملح الآن: هل قدّمت نيروبي حلولاً تمس جذور الأزمة السودانية وقابلة للقبول داخلياً وخارجياً، أم أنها مجرد أطروحة لإثبات الحضور على طاولة المجتمع الدولي؟ والأهم: هل يمكن أن يحدث اختراق حقيقي في المشهد السوداني المعقد يقود إلى انفراجة؟
أولاً: ما جاء في اجتماع نيروبي وماذا يعني؟
القوى المشاركة – وهي مزيج من أحزاب، قوى مدنية، ومكونات من “تقدم” – اتفقت على ثلاث نقاط محورية: رفض الحسم العسكري، الدعوة لوقف شامل لإطلاق النار، وطرح عملية سياسية جامعة تنتهي بترتيبات انتقالية.
هذه النقاط ليست جديدة في الخطاب السوداني فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، كررتها مبادرات جدة، والإيغاد، والاتحاد الأفريقي. الجديد المفترض كان في محاولة جمع قوى مدنية موزعة بين الداخل والخارج على طاولة واحدة، وإعادة تقديم نفسها كطرف مدني موحّد مقابل الثنائي العسكري.لكن غياب ممثلي طرفي القتال – القوات المسلحة وقوات الدعم السريع – جعل الوثيقة أقرب إلى “رؤية معارضة” منها إلى خطة تنفيذية. وهذا ما دفع المراقبين للقول إنها تفتقر لأدوات النفاذ، وتحتاج إلى موافقة من يمسك بالسلاح على الأرض.
ثانياً: لماذا تبدو الوثيقة “غير واقعية” لجزء من الداخل؟
أزمة التمثيل: القوى المشاركة في نيروبي لا تحظى بإجماع داخلي وكثير من المكونات الأهلية والشبابية في دارفور، والجزيرة، والخرطوم، ترى أن هذه المجموعات فقدت شرعيتها بعد فشل الفترة الانتقالية 2019-2021.
غياب التمثيل الجغرافي والاجتماعي الواسع يجعل أي اتفاق معرضاً للرفض الشعبي.
الاعتماد على الخارج: انعقاد الاجتماع في نيروبي، برعاية كينية ودعم إقليمي، يغذي رواية “الوصاية الخارجية”. في ظل مزاج شعبي رافض للتدخل الخارجي، يُقرأ ذلك كمحاولة لاستنساخ سيناريو 2019 بوساطة خارجية أكثر من حوار سوداني-سوداني.
غياب معالجة جذور الأزمة: الوثيقة ركزت على وقف الحرب والانتقال السياسي، لكنها لم تطرح آليات واضحة لمعالجة قضايا جوهرية: تفكيك الاقتصاد العسكري، العدالة الانتقالية لجرائم الحرب، ترتيبات الأمن والجيش الواحد، وتوزيع السلطة والثروة بين المركز والهامش. بدون ذلك، يبقى الحل سطحياً.
ثالثاً: أين يكمن الاحتمال الضئيل للاختراق؟رغم التشاؤم، هناك ثلاث نقاط يمكن البناء عليها إن توفرت الإرادة: إجماع نادر على استحالة الحسم العسكري: بعد 30 شهراً من القتال، أدرك الطرفان أن لا قدرة لأحدهما على حسم المعركة. هذا الإدراك خلق مساحة ضيقة لأي مبادرة توفر مخرجاً يحفظ ماء الوجه. وثيقة نيروبي تحاول استثمار هذه اللحظة. الضغط الإنساني: المجاعة والنزوح وصلا مرحلة تهدد وجود الدولة. المجتمع الدولي، والاتحاد الأفريقي، وحتى دول الجوار، أصبحوا أكثر استعداداً لدعم أي مسار يفتح الممرات الإنسانية. أي خارطة طريق تربط وقف النار بإغاثة عاجلة قد تجد قبولاً تكتيكياً حتى من أطراف مترددة.
تآكل شرعية الثنائي العسكري: استمرار الحرب أضعف الجيش والدعم السريع معاً. ظهور كيان مدني موحّد، حتى لو كان ناقص التمثيل، قد يصبح واجهة مقبولة للتفاوض مع الخارج، ويخفف عزلة الطرفين.
رابعاً: شروط تحويل نيروبي من بيان إلى حل لكي لا تلحق نيروبي ببرلين وأديس أبابا وجدة في مقبرة المبادرات، تحتاج إلى:العودة للداخل: أي عملية سياسية لا تنطلق من مشاورات حقيقية مع غرف الطوارئ، والإدارات الأهلية، ولجان المقاومة، والكيانات المهنية داخل السودان، ستظل “مستوردة”. الشرعية لا تُمنح في فنادق نيروبي، بل تُنتزع من أحياء أم درمان وكسلا ونيالا.
فصل المسارين: فصل المسار الإنساني العاجل عن المسار السياسي المفتوح. وقف إطلاق النار، وفتح الممرات، وتبادل الأسرى، يمكن الاتفاق عليه سريعاً حتى لو تأجل النقاش في شكل الدولة.
ضمانات تنفيذ: بدون آلية رقابة أفريقية-أممية واضحة، سيبقى أي اتفاق حبراً على ورق. الضمانات يجب أن تشمل حظر الطيران الحربي فوق مناطق المدنيين، وآلية تحقيق في الانتهاكات.
توحيد المنابر: تعدد المبادرات شتّت الجهد. على نيروبي أن تنسق مع منبر جدة، والإيغاد، والاتحاد الأفريقي، بدل منافستها. القوة في الوحدة، لا في تعدد الأختام.
خامساً: هل يمكن للاختراق أن يحدث؟الجواب: نعم، لكن بشروط صعبة. الاختراق لن يأتي من وثيقة مكتوبة جيداً، بل من تغيّر في موازين القوى والكلفة. إذا استمرت المجاعة، سترتفع كلفة الحرب على الجميع، وقد يُجبر الطرفان على القبول بهدنة. إذا نجحت قوى مدنية في توحيد نفسها وتقديم بديل متماسك، ستصبح شريكاً لا يمكن تجاوزه.
إذا ضغط المجتمع الدولي بآلية عقوبات ذكية ومحفزات اقتصادية مشروطة، سيصبح التفاوض أقل كلفة من القتال.لكن دون ذلك، ستظل نيروبي مجرد محطة أخرى في مسلسل “اجتماعات لإثبات الحضور”، وتُضاف إلى قائمة الفرص الضائعة.
خاتمة: السودان لا يحتاج وثيقة أخرى.. يحتاج إلى أرضية مشتركة فالمشهد السوداني معقّد لأن جذور الأزمة ليست عسكرية فقط، بل سياسية واجتماعية واقتصادية. اجتماع نيروبي أثبت أن هناك من يحاول، لكنه لم يثبت أنه يمثل، ولم يقدم آلية تنفيذ.
الفرصة الحقيقية للانفراجة لن تأتي من تكرار شعارات “وقف الحرب” و”الدولة المدنية”، بل من إجابة واضحة على سؤال واحد: من يحكم، وكيف، وعلى أي أساس؟ حتى تُجاب هذه الأسئلة من الداخل، وبمشاركة من يدفعون ثمن الحرب يومياً، ستبقى كل خارطة طريق مجرد ورق. والشعب السوداني لم يعد يملك ترف الانتظار.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات