الجمعة, مايو 29, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيدعم "روبيو" للبنان: الصداقة الأميركية القاتلة .. بثينة عليق

دعم “روبيو” للبنان: الصداقة الأميركية القاتلة .. بثينة عليق

سودان تمورو

كانت لافتة سرعة التعليق الأميركي على الخطاب الأخير للأمين العامّ لحزب الله، سماحة الشيخ نعيم قاسم، في ذكرى عيد المقاومة والتحرير. وبرغم الانشغالات الكثيرة لوزير الخارجية الأميركي، فإنه لم يتردّد في تخصيص تصريح مطوّل حول لبنان، من زاوية تأكيد دعم بلاده لحكومة نوّاف سلام.

ما أطلقه الشيخ قاسم هو موقف يتكرّر يومياً في العديد من الدول المصنّفة ديمقراطية. فقد قال: “من حقّ الناس النزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة”.

يختصر هذا الموقف قاعدة تقع في صلب الأنظمة الديمقراطية، حيث يُعدّ الشعب مصدر السلطات، وبالتالي فإنّ إسقاط الحكومات يُعدّ حقاً طبيعياً له.

أما في حالة الحكومة اللبنانية الحالية، العاجزة عن إنجاز أيّ شيء، فإنّ كلّ شروط الثورة الشعبية تبدو متوفّرة. فهذه الحكومة لم تجد حلاً لكارثة أموال المودعين المسروقة، ولم ترفع ساعات التغذية الكهربائية، ولم تضع خطة جدّية لمعالجة أزمة النفايات.

كما أنّ لائحة الأزمات التي لم تلقَ أيّ مقاربة حكومية جدّية تطول، فضلاً عن عجزها عن الدفاع عن لبنان في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وعن تحرير الأرض، وسوء إدارة الملفات كافة، كبيرها وصغيرها.

فلماذا يسرع روبيو إلى دعم الحكومة اللبنانية، رغم فشلها؟
يدعم الأميركيون عادة حكومات بمواصفات معيّنة، أبرزها أن تكون خاضعة لهم، منخرطة في مشروعهم، وتعمل على أداء وظائف تخدم أجندتهم. وهذه هي حال العديد من الحكومات التي تحظى بالدعم الأميركي في العالم.

أما في منطقتنا، فيُضاف شرط أساسي يتمثّل بأن تكون الحكومة المدعومة راعية وحافظة للمصالح الإسرائيلية، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية، كما يُفترض أن تكون مسلّمة بالتفوّق الإسرائيلي وراضية به.

وحكومة نوّاف سلام تستوفي هذه الشروط إلى أبعد الحدود.

فالسلطة في لبنان ذهبت إلى مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين من دون أيّ قيد أو شرط، وبما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية، في ظلّ تفريط واضح ومن دون مواربة بالمصالح الوطنية، من خلال التخلّي عن كلّ أوراق القوة، وعلى رأسها سلاح المقاومة، الذي اتُّخذ قرار حكومي باعتباره غير شرعي، بما يحقّق هدفاً إسرائيلياً أساسياً.

لذلك، فإنّ تصريح روبيو يأتي في سياقه الأميركي الطبيعي.

إلّا أنّ ما يجب الالتفات إليه هو أنّ الدعم الأميركي لا أمان له، فالتجارب والدروس المستقاة من تاريخ العلاقات الأميركية، سواء مع حكومات أو مع قوى غير حكومية في العالم والمنطقة، تنبئ بمصير دراماتيكي لهذه العلاقة.

إذ سرعان ما تتخلّى واشنطن عن حلفائها، مهما قدّموا من تنازلات، وذلك في اللحظة التي تتغيّر فيها مصالحها أو تصبح كلفة الدعم أعلى من الفائدة السياسية أو العسكرية.

وقد حصل هذا تباعاً مع نغو دينه ديم في فيتنام، وبينوشيه في تشيلي، وعائلة سوموزا في نيكاراغوا، وماركوس في الفلبين، ورضا بهلوي في إيران، وحامد كرزاي ثمّ أشرف غني في أفغانستان.

تُرك هؤلاء جميعاً لمصيرهم من دون أيّ إنذار مسبق، ومن دون الحفاظ على الحدّ الأدنى من ماء الوجه.

الأمر نفسه في عالمنا العربي؛ إذ تُعدّ تجربة “قسد” الكردية في سوريا، بعد سنوات من الدعم، من أحدث وأوضح الأمثلة. فقد استخدمت الولايات المتحدة “قسد” لإبقاء سوريا “غير مستقرة سياسياً” ، ودعمتها لتكون قوة مسيطرة على موارد استراتيجية في شرق وشمال شرق سوريا، ووكيلاً يؤمّن النفوذ الأميركي داخلها.

إلّا أنّ “قسد” وجدت نفسها خارج الأولويات الأميركية عندما تعارضت طموحاتها السياسية مع التفاهمات الأميركية–التركية، فمالت واشنطن إلى التسويات مع أنقرة ودمشق أكثر من دعم مشروع حكم ذاتي كردي واسع.

قبل ذلك، تخلّت واشنطن عن الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، صاحب المقولة الشهيرة: “المتغطّي بالأميركان عريان”.

ولعلّ تجربة المسيحيين في لبنان وعلاقتهم مع الأميركيين تُعدّ من أبرز الأمثلة. إذ يكرّر اللبنانيون حادثة العرض الذي قدّمه كسينجر لرئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية في سبعينيات القرن الماضي بنقل البوارج الأميركية للمسيحيين من لبنان، وهي حادثة تُعدّ من أكثر الأدلة تداولاً على عدم إعطاء الأميركيين أيّ قيمة للوجود المسيحي في لبنان واستعدادهم للتخلّي عنهم بسهولة، وهو ما تجلّى لاحقاً في حرب الجبل عام 1983، ثمّ عند انتهاء الحرب الأهلية التي أفضت إلى اتفاق الطائف، والذي تضمّن بنوداً قلّصت من صلاحيات المسيحيين في التركيبة اللبنانية، بالتوازي مع التخلّي عن القيادات المسيحية آنذاك، وأبرزهم ميشال عون الذي لم تمنع واشنطن نفيه إلى باريس، وسمير جعجع الذي لم تمنع سجنه.

وقد جرى ذلك رغم أنّ المسيحيين كانوا في المحطات المفصلية يتعاملون على أساس أنّ واشنطن تملك 99% من الأوراق، فبنوا توقّعاتهم على هذه القاعدة.

إلّا أنّ الأميركيين لم يتردّدوا في تركهم لمصيرهم، فكانت واشنطن أحد عرّابي مرحلة ما بعد الطائف، التي استبعدت المسيحيين من مواقع القرار اللبناني لسنوات طويلة.

إنّ هذا الرهان الخاطئ على الأميركيين يتكرّر اليوم من قبل السلطة الحاكمة، وتحديداً من قبل الرئيسين عون وسلام، اللذين وضعا كلّ أوراقهما في يد الأميركي من دون أخذ العبر والدروس من التاريخ القريب.

لذلك يمكن القول إنّ كلام روبيو، الذي تضمّن دفاعاً عن الحكومة اللبنانية بعد تصريحات الأمين العامّ لحزب الله، قد لا يساوي الحبر الذي كُتب به، لأنّ الخطر يكمن في الاطمئنان إلى صداقة الولايات المتحدة “القاتلة”، وفق وصف الوزير الأميركي الأشهر كيسنجر، الذي قال: “قد يكون من الخطير أن تكون عدواً لأميركا، لكن أن تكون صديقاً لها قد يكون قاتلاً”.

إعلامية لبنانية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات