سودان تمورو
في عالمٍ تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع مسارات الهيمنة، تبدو واشنطن اليوم كلاعبٍ يراهن على طاولتين في آنٍ واحد، غير مدركٍ أن خسارته في الأولى لن تُعوَّض بمغامرةٍ في الثانية.
كشف تقرير حديث لمجلة “فورين بوليسي” عن مفارقةٍ صارخة في السياسة الأمريكية تجاه كوبا؛ إذ طبّقت واشنطن، في إطار سياسة الضغط الأقصى التي يتبنّاها ترامب، حزمةً من الإجراءات المتصاعدة: حصارٌ نفطي شامل، ولائحة اتهامٍ بحق راؤول كاسترو، وتوسيعٌ لبرامج التدخل العسكري في أروقة البنتاغون، فضلاً عن إغلاق أبواب الهجرة أمام الكوبيين. كان الهدف المُعلَن إشعال جذوة الاضطرابات الداخلية وإسقاط نظام هافانا. غير أن الواقع جاء على نقيضٍ تام من هذه الحسابات.
الكوبيون لا يزالون يغادرون جزيرتهم، لكنهم باتوا يتجهون نحو البرازيل والمكسيك والأوروغواي، لا نحو ميامي. وقد تضاعفت طلبات اللجوء الكوبية في البرازيل، فيما بلغت حصتهم من بطاقات الإقامة الإنسانية في المكسيك ثمانيةً وسبعين بالمئة. بمعنىً آخر، لم تُفضِ سياسة الضغط الأقصى إلى تغيير النظام، بل حوّلت تداعياتها إلى أعباءٍ تتحمّلها دولٌ ذات توجهاتٍ يسارية، باتت تمتلك اليوم أوراق ضغطٍ في مواجهة واشنطن ذاتها.
هذا النمط ليس وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لسلسلة إخفاقاتٍ أمريكية متراكمة. في غرب آسيا، دخلت واشنطن بالمنطق ذاته: تغيير الأنظمة، والسيطرة على الطاقة، وتطويق القوى الصاعدة. والنتيجة؟ قواعد عسكرية مُهدَّدة، وهيبةٌ مكسورة أمام طهران، وتراجعٌ استراتيجي في مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي طالما اعتبرته واشنطن ورقةً في يدها.
ثمة قانونٌ صارم في السياسة الدولية مفاده أن الهزيمة في ميدانٍ لا تُمحى بالتمدد في ميدانٍ آخر. حين تحاول قوةٌ عظمى استعادة مكانتها عبر التصعيد المتزامن على جبهاتٍ متعددة، فإنها في الغالب لا تُعيد بناء هيبتها، بل تُعمّق أزمتها. أمريكا اليوم تسعى إلى رأب الصدع الذي خلّفته إخفاقاتها في الخليج بالضغط على كاريبي لا يبدو مستعداً للانصياع، وهو رهانٌ يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الاستراتيجية.
