سودان تمورو
لم يعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 16 أبريل في جنوب لبنان سوى لافتة سياسية بالية تجاوزتها الأحداث؛ فمع التصعيد العسكري المتسارع، وتوالي الإنذارات العاجلة من جيش الاحتلال الإسرائيلي لإخلاء مدينة صور، تتكشف حقيقة ميدانية صارخة مفادها أن إيقاع النيران هو الذي يعيد رسم الخرائط، لا الاتفاقيات الدبلوماسية. والمتأمل للمشهد الممتد من الحدود الجنوبية اللبنانية وصولاً إلى عمق الجليل، يدرك أننا لم نعد أمام اشتباك كلاسيكي تقليدي، بل تحولت الساحة إلى مختبر مفتوح لاختبار توازنات القوى وحدودها. فإسرائيل، التي تدرك تماماً عجزها الهيكلي عن فرض احتلال تقليدي مستدام، تسعى اليوم لفرض واقع أمني جديد يعتمد على استنساخ نموذج “الضفة الغربية” في الجنوب اللبناني، وهو ما يمكن تسميته بمشروع هندسة المناطق الثلاث أو “أ، ب، ج”.
لا تسعى الآلة العسكرية الإسرائيلية في استراتيجيتها الجديدة إلى الاحتفاظ بخطوط احتلال دائمة أو الزج بكتل بشرية عسكرية واسعة على الأرض، بل تتبنى تكتيك التواجد الأمني المحدود والتحكم عن بُعد عبر الكثافة النارية والتفريغ الديموغرافي. وتبدأ هذه الهندسة بما يمكن اعتباره “المنطقة ج” أو الحزام العازل الجنوبي الممتد من مدينة صور وحتى الساحل؛ حيث تهدف أوامر الإخلاء المتلاحقة لقلب المدينة ومخيمات مثل “البص” و”الرشيدية” إلى تفريغ مساحة جغرافية تقدر بنحو 400 كيلومتر مربع، وتحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السكان، تخضع لسيطرة نيرانية محكمة من البحر ومدفعية موقع “البياضة”، لتصبح منطقة محرمة يُستهدف فيها أي تحرك قبل حدوثه.
وبالانتقال إلى الطبقة الثانية من هذه الهندسة، نجد “المنطقة ب” المتمركزة فوق نهر الليطاني، والذي فقد صفته كخط دفاعي ليتحول إلى حزام مفتوح للعمليات الجوية الإسرائيلية. في هذا الحزام، غاب مشهد المشاة ليحل محله تكتيك “التشتيت بالنار”، حيث تفرض إسرائيل سيطرة نارية على نحو 60 بلدة وقرية بعمق يتراوح بين 10 و 12 كيلومتراً، محولة إياها إلى سماء مستباحة للمسيرات الهجومية والاستطلاعية بهدف شل أي محاولة لإعادة تموضع حزب الله أو تمرير خطوط الإمداد نحو الجنوب. أما ذروة هذا المشروع فتتجسد في “المنطقة أ”، وتشمل التلال الاستراتيجية كـ “قلعة الشقيف” و”علي الطاهر” ومحاور التقدم نحو ميفدون ويحمر. هنا، لا تهدف إسرائيل للاحتلال الدائم تجنباً للوقوع في مستنقع استنزافي، بل تسعى لامتلاك قدرة “الاختراق النيراني اللحظي”، لتتمكن من ضرب العمق الاستراتيجي للمقاومة متى أرادت، باستخدام المدفعية والمسيرات الانقضاضية الموجهة، في معركة باتت تعتمد على من يطلق الرصاصة الأولى بدقة، خاصة بعد أن أظهرت المقاومة في حادثة 30 أبريل قدرة مماثلة على اصطياد البطاريات الإسرائيلية.
خلاصة القول إننا أمام استراتيجية إسرائيلية تعتمد على “انتشار خفيف ونيران ثقيلة”، تحاول فرض واقع أمني مشابه للضفة الغربية في جنوب لبنان. لكن في المقابل، تفرض المقاومة عبر اللامركزية التكتيكية والاستخدام الكثيف للمسيرات الانقضاضية كلفة باهظة على هذا المشروع، محولة المشهد إلى حرب استنزاف مفتوحة تتكسر فيها محاولات التثبيت الإسرائيلية أمام مرونة تكتيكية مضادة، ليبقى السؤال معلقاً: هل تنجح إسرائيل في تثبيت هذه المعادلة أم أنها مجرد حلقة جديدة في سلسلة حرب جنوبية لا تعرف النهايات؟
