سودان تمورو
حين يتحدث محمد باقر قاليباف، فهو لا يجلس على كرسي واحد، بل على كرسيين: رئاسة البرلمان الإيراني من جهة، ورئاسة هيئة التفاوض من جهة أخرى. والأهم من ذلك، أن الرجل يحمل على كتفيه سيرة قائد ميداني يعرف تماماً أن ما يُقتلع من الأرض لا يُهدى على الموائد. لذلك، لم تكن تغريدته الأخيرة مجرد تصريح سياسي عابر، بل كانت بياناً تأسيسياً لمنطق إيراني جديد في إدارة الصراع والتفاوض معاً، منطق يعلن بلا مواربة أن زمن فصل القوة عن الدبلوماسية قد ولى إلى غير رجعة.
في البند الأول من التغريدة، يكمن جوهر الفلسفة السياسية للحظة الراهنة: “نحن لا نأخذ الامتيازات بالحوار، بل بالصواريخ، وفي المفاوضات نشرحها فقط”. الجملة ليست استفزازاً للخصم بقدر ما هي إعادة تعريف لقواعد اللعبة. فإيران، التي خرجت للتو من حرب أربعين يوماً، لا تخفي أن ما جرى في الميدان هو الذي سيكتب نصوص الاتفاقات، لا بلاغة الدبلوماسيين. كأنها تقول: لقد دفعنا الثمن مقدماً، نقداً وبالدم، ومن يريد التفاوض فعليه أن يعترف أولاً بما رسمناه على الأرض، ثم نتفق على كيفية قراءته معاً.
أما البند الثاني، فيكشف عن جرح إيراني قديم لم يندمل: انعدام الثقة. لكن الملفت هنا ليس الشك بحد ذاته، بل الآلية التي ترجمته. حين يقول قاليباف “لا نثق بالضمانات ولا بالكلام، المقياس هو السلوك فقط. لن نقوم بأي إجراء قبل أن يتحرك الطرف الآخر”، فهو يضع ميزاناً من حجر لا من ريش. ليس المطلوب وعوداً ولا توقيعات، بل أفعال ملموسة على الأرض، وعلى الطرف الآخر أن يخطو أولاً في حقل الألغام هذا. إنها مقامرة محسوبة تختبر جدية الخصم قبل أن تكشف أي ورقة من أوراقها.
ويأتي البند الثالث ليغلق الدائرة بمنطق صادم في وضوحه: “المنتصر في أي اتفاق هو من يصبح بعده أفضل استعداداً للحرب”. هنا يصل الفكر الاستراتيجي الإيراني إلى ذروته المكشوفة. التفاوض ليس نهاية للمواجهة، بل محطة لإعادة التموضع. أي صفقة لن تُقرأ بمنطق الربح التجاري، بل بمنطق المكسب التكتيكي في الصراع الطويل. الاتفاق الجيد هو ذلك الذي يمنحك هدنة لتلميع السلاح، لا لتفكيكه.
وسط هذا الوضوح الصادم، يبرز إجماع النخبة الحاكمة في طهران على مبدأ جوهري واحد: ما تحقق في الحرب الأخيرة، وتحديداً القدرة على التحكم في مضيق هرمز، ليس مجرد إنجاز عسكري، بل هو رافعة اقتصادية تاريخية لا يمكن التفريط بها تحت أي ضغط. الإجماع قائم على أن زمن الحصار الاقتصادي يمكن أن ينتهي، لكن ليس عبر التخلي عن أدوات الردع، بل عبر تحويلها إلى عملة تفاوضية صلبة. الخلافات التكتيكية قد تطفو على السطح حول أسلوب إدارة الطاولة، لكن البوصلة الاستراتيجية باتت موحدة: ما أخذته اليد في الميدان، لا تفرط فيه الشفاه في القاعة.
