سودان تمورو:
في الأشهر الأخيرة، لم تعد الحرب في السودان تُدار فقط عبر خطوط المواجهة التقليدية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل بدأت تتشكل داخل فضاء جديد تتقدم فيه الطائرات المسيّرة، وتتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة حول أدوار خارجية تمتد خارج الحدود السودانية.
هذا التحول لم يقتصر على أدوات القتال، بل انعكس أيضًا على لغة الحرب نفسها؛ إذ باتت الروايات تربط مجريات الصراع بتوازنات إقليمية أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبعلاقات متشابكة مع دول الجوار، في مقدمتها إثيوبيا، التي تصاعد اسمها مؤخرًا في سياق الاتهامات المرتبطة بالمسيّرات.
يتتبع هذا التقرير كيف أعادت المسيّرات تعريف حدود الحرب في السودان، وكيف ساهم تصاعد خطاب التدخلات الخارجية في توسيع نطاقها سياسيًا وجغرافيًا، ضمن بيئة إقليمية مضطربة تعيد فيها دول القرن الأفريقي رسم مواقعها داخل معادلة نفوذ آخذة في التشكل.
وشهد الرابع من مايو سلسلة انفجارات عنيفة في مطار الخرطوم الدولي، وذلك بعد أيام من استئناف استقبال الرحلات الدولية في العاصمة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. وأعاد هذا الهجوم تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في المدينة، رغم محاولات إعادة تشغيل بعض المرافق الحيوية.
عقب ذلك، حمّل وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، والناطق الرسمي باسم الجيش السوداني عاصم عوض، كلًا من إثيوبيا والإمارات المسؤولية عن الهجوم، مؤكدين قدرة السودان على حماية سيادته.
كما أعلنت الخرطوم استدعاء سفيرها في إثيوبيا للتشاور، وقررت تعليق حركة الطيران في المطار لمدة 72 ساعة، وسط إدانات عربية ودولية لاستهداف المنشآت الحيوية في العاصمة.
وفي مؤتمر صحفي مشترك، قال مسؤولون سودانيون إن لديهم “أدلة قاطعة” على أن طائرات مسيّرة يُعتقد أنها إماراتية انطلقت من مطار بحر دار في إثيوبيا لتنفيذ ضربات استهدفت مطار الخرطوم ومنشآت عسكرية في العاصمة.
من جانبها، نفت أديس أبابا هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “باطلة”، فيما اتهمت الجيش السوداني بدعم مجموعات متمردة في إقليم تيجراي.
وقال الباحث في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين: إن “الاتهامات المتبادلة بين السودان وإثيوبيا ليست جديدة، لكنها وصلت في الفترة الأخيرة إلى “ذروتها”، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب السودانية واستخدام المسيّرات”.
وأوضح تورشين لـ(عاين) أن جذور هذه الاتهامات تعود إلى فترة حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، حين اتهمت أديس أبابا الخرطوم بتقديم دعم عسكري ولوجستي لجبهة تيغراي، مشيرًا إلى أن الاتهامات تجددت مع تطورات الحرب السودانية، حيث اتهمت الخرطوم إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع لوجستيًا وعسكريًا.
تهدئة الطرفين
وأضاف تورشين أن استدعاء السفير السوداني في إثيوبيا للتشاور يعكس مستوى التصعيد الحالي بين البلدين، لكنه استبعد في الوقت نفسه وصول التوتر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مرجحًا أن تتجه الأطراف إلى توظيف “فاعلين غير رسميين” من أجل التهدئة بين الطرفين.
وأشار تورشين إلى أن الحرب في السودان أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على سلاح المسيّرات، معتبرًا أن ذلك من شأنه توسيع التهديدات الأمنية والعسكرية في منطقة القرن الأفريقي، في ظل سعي إثيوبيا إلى تعزيز نفوذها الإقليمي.
عسكريون في العاصمة الخرطوم
وقال: “إن وجود مجموعات أو فواعل مدعومة من السودان قد يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار إثيوبيا والبحر الأحمر، خصوصًا مع التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، بما في ذلك التطورات في الصومال والتوترات الإقليمية الأخرى”.
ورأى الباحث في الشؤون الأفريقية أن الحرب في السودان تمثل تهديدًا كبيرًا للأمن الإقليمي في القرن الأفريقي، في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية في عدد من دول المنطقة، من بينها الصومال وإثيوبيا وجنوب السودان.
وأضاف: أن “استمرار الحرب السودانية، إلى جانب الأزمات الإقليمية الأخرى، قد يدفع مزيدًا من الأطراف الإقليمية إلى التدخل لحماية مصالحها أو لمحاولة احتواء تداعيات الصراع على أمن المنطقة واستقرارها”.
والأسبوع الماضي وصف وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو الصراع في السودان بأنه تحول إلى حرب بالوكالة تتداخل فيها أطراف إقليمية وتُستخدم فيها أراضي بعض الدول لإمدادات السلاح.
وقال مستشار قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو، إبراهيم مخير، “إن تصاعد الحديث عن المسيّرات والتدخلات الخارجية يعكس، من وجهة نظر قوات الدعم السريع، تحولًا في طبيعة الحرب السودانية، التي لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها التكنولوجيا العسكرية والتحالفات الإقليمية”.
إطالة الحرب
وأضاف مخير في حديث مع (عاين): أن “قوات الدعم السريع تميز بين تدخلات قال إنها هدفت إلى إغاثة السودانيين ودعم جهود السلام، وأخرى اعتبر أنها ساهمت في إطالة أمد الحرب”.
وأشار إلى أن السعودية لعبت دورًا عبر رعاية منبر جدة، كما استضافت الإمارات قوى سياسية سودانية في إطار مساعٍ للحل السياسي، إلى جانب ما وصفه بالدعم والحماية التي قدمتها بعض الدول للسودانيين الفارين من الحرب، فيما أشار أيضًا إلى أن مصر استقبلت أعدادًا من الفارين من النزاع.
وفي المقابل، قال إن “الدعم السياسي والعسكري الذي تتلقاه سلطة بورتسودان ساهم، بحسب رؤيته، في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها”، مضيفًا أن “قوات الدعم السريع تعاملت بحذر مع ما وصفه بمؤشرات ميدانية على وجود دعم عسكري خارجي”.
وفي ما يتعلق بدور المسيّرات وتكنولوجيا الحرب، قال: إن “إدخال هذه التقنيات إلى السودان، إلى جانب اتهامات مرتبطة بشبكات خارجية، ومنها ما وصفه بارتباطات إيرانية، يمثل، وفق رؤيته، مؤشرًا على تحول السودان إلى جزء من صراعات إقليمية أوسع.
وفي إجابته بشأن ما إذا كانت الحرب ما تزال محصورة داخليًا، قال مخير “إن السودان لم يعد شأناً داخليًا فقط”، بالنظر إلى موقعه على البحر الأحمر وارتباطه بمنطقة القرن الأفريقي ومسارات الهجرة والتجارة والطاقة.
وأضاف: أن “أي تصعيد في المنطقة يثير حساسيات إقليمية مرتبطة بأمن البحر الأحمر، وقد يدفع أطرافًا إقليمية إلى الانخراط بصورة أكبر في مسارات التهدئة أو التفاعل مع تطورات الحرب”.
ولفت إلى أن استمرار ما وصفه بالدعم الخارجي لسلطة بورتسودان ــ حسب قوله ــ يضع الدعم السريع أمام خيارين: سلام جاد أو استمرار منطق الحرب، مؤكداً أن قوات الدعم السريع لا تطرح الحرب بوصفها خيارًا مفضلاً، لكنها ترى أن استمرار الانسداد السياسي قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتوسعها ما لم يتم التوصل إلى تسوية تعالج جذور الأزمة.
وبينما تتهم قوات الدعم السريع الجيش السوداني بتلقي دعم خارجي من أطراف إقليمية، من بينها مصر وإيران، يرد الجيش باتهامات مقابلة تتعلق بدعم يُنسب إلى الإمارات وإثيوبيا.
وفي سياق موازٍ، يقدم مستشار أول للبحوث والسياسات في معهد الحياة والسلام ديرجي فييسا، قراءة أوسع للتوترات بين الخرطوم وأديس أبابا، واضعًا التصعيد الحالي ضمن ديناميكيات إقليمية متشابكة في القرن الأفريقي تتجاوز حدود الصراع السوداني الداخلي
يقول فييسا وهو أيضاً أستاذ مشارك في جامعة أديس أبابا، “إن القرن الإفريقي مثّل تاريخيًا نموذجًا كلاسيكيًا لما وصفه بـ«المركب الأمني الإقليمي»، حيث تتداخل الصراعات الداخلية بصورة عميقة مع الخصومات بين الدول”.
تنافس جيوسياسي
وأضاف: أن “ما تغير اليوم ليس وجود هذه الديناميكية بقدر ما هو شدتها وسرعتها، إذ أصبحت النزاعات الداخلية تمتد بصورة متزايدة عبر الحدود، وتتشابك مع أنظمة التحالفات الأوسع والتنافسات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر”، مشيرًا إلى أن التوترات الحالية بين إثيوبيا والسودان ينبغي فهمها في إطار هذا التكوين الإقليمي الأوسع.
وأوضح في حديث مع (عاين) “أن جذور التوترات الراهنة يمكن تتبعها إلى الفترة التي سبقت حرب تيغراي، عندما تحركت القوات المسلحة السودانية إلى منطقة الفشقة الحدودية المتنازع عليها، في وقت كانت فيه أديس أبابا منشغلة بصراعها الداخلي”.
وأضاف: أن “الخرطوم أبدت تعاطفًا تجاه جبهة تحرير شعب تيغراي، في انعكاس للعلاقات السياسية والدبلوماسية التي كانت قائمة بين السودان وحكومة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية بقيادة تيغراي قبل صعود آبي أحمد”.
وأشار إلى أن مصر كثفت في الوقت نفسه تنافسها مع إثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، خاصة مع اقتراب اكتمال السد وافتتاحه رسميًا في سبتمبر 2025، معتبراً أن المشروع يمثل تحولًا استراتيجيًا قد يعزز النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي لإثيوبيا في المنطقة.
السودان وسد النهضة
وأضاف مستشار أول البحوث والسياسات في معهد الحياة والسلام، ديرجي فييسا، أن “السودان، بوصفه دولة من دول المصب، اصطف تاريخيًا إلى جانب القاهرة، رغم أن الخرطوم اقتربت من أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة من حكم عمر البشير، إدراكًا منها للفوائد المحتملة لتنظيم تدفق مياه النيل في الحد من الفيضانات الموسمية، إلى جانب الحصول على كهرباء إثيوبية منخفضة التكلفة”. غير أنه رأى أن الانتقال السياسي في السودان أتاح لمصر فرصة لإعادة بناء نفوذها في الخرطوم وتعميق الهوة بين السودان وإثيوبيا.
وقال: “إن قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، شأنه شأن كثير من النخب العسكرية السودانية التي تلقت تدريبها في القاهرة، وتعتمد على الدعم المصري لإسناد إدارته، أصبح أكثر ميلًا للتحالف مع مصر في ظل مواجهته للمعارضة المدنية ومنافسته مع قوات الدعم السريع”، حسب قوله.
وأوضح أن “هذه التطورات أدت إلى استقطاب فاعلين إقليميين إضافيين إلى النزاع، لا سيما إريتريا والإمارات العربية المتحدة، لافتًا إلى أن التقارب الذي شهدته العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا منذ عام 2018 بدأ يتفكك تدريجيًا بسبب الخلافات المرتبطة بأهداف وسير حرب تيغراي”.
وأضاف أنه “بينما كانت إدارة آبي أحمد مستعدة للقبول بجبهة تحرير شعب تيغراي ضعيفة، لكنها باقية تحت السلطة الفيدرالية، كان الرئيس الإريتري أسياس أفورقي يرى أن القضاء الكامل على الجبهة يمثل مسألة أساسية بالنظر إلى عدائه التاريخي معها”.
وأشار إلى أن هذه التوترات تفاقمت بعد اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022، ثم تصاعدت مجددًا منذ عام 2024 مع تبني آبي أحمد سياسة خارجية أكثر حزمًا ترتكز على المصالح الوطنية الإثيوبية والوصول إلى البحر الأحمر، بما في ذلك عبر ميناء عصب الإريتري.
وقال “إن هذه الخصومات بدأت تنعكس بصورة متزايدة داخل السودان، مضيفًا أنه مع انحياز إريتريا بصورة أكثر وضوحًا إلى جانب القوات المسلحة السودانية وانضمامها إلى الاستراتيجية المصرية الأوسع الرامية إلى احتواء إثيوبيا، بدا أن أديس أبابا تقترب أكثر من قوات الدعم السريع”.
إثيوبيا والإمارات
وأضاف أن “هذا التحول تعزز بفعل دور الإمارات، التي قال إنها دعمت قوات الدعم السريع ضمن استراتيجية إقليمية أوسع لبناء النفوذ عبر الفاعلين المسلحين من غير الدول”. كما أشار إلى أن الإمارات استثمرت بصورة كبيرة في إثيوبيا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وأقامت علاقات وثيقة مع آبي أحمد على المستوى الشخصي.
ورأى أنه في المشهد الجيوسياسي الناشئ في منطقة البحر الأحمر، تبدو إثيوبيا وقوات الدعم السريع وأرض الصومال وإسرائيل أقرب إلى الاصطفاف ضمن كتلة إقليمية تقودها الإمارات، في حين تميل إريتريا ومصر والقوات المسلحة السودانية وتركيا والصومال إلى محور منافس مدعوم من السعودية.
وأضاف أنه “رغم نفي الحكومة الإثيوبية تقديم دعم لقوات الدعم السريع أو تسهيل مساعدات عسكرية إماراتية عبر أراضيها، فإنه يرى أن من المرجح بصورة متزايدة أن تكون أديس أبابا قد انتقلت من الحياد إلى دور أكثر نشاطًا في النزاع السوداني، جزئيًا نتيجة ضغوط هذه البنى التحالفية الناشئة”.
كما أشار إلى أنه ينبغي فهم الانخراط الإثيوبي المتزايد في السودان أيضًا في سياق انخراط السودان في النزاعات الداخلية الإثيوبية، موضحًا أنه إلى جانب علاقاته بجبهة تحرير شعب تيغراي، يُعتقد أن السودان أصبح مركزًا لشبكات أوسع مناهضة لآبي أحمد، تشمل عناصر مرتبطة بميليشيات الأمهرة وجيش تحرير أورومو، وربما جماعات مسلحة من قومية القُمُز، وفقاً لقوله.
ولفت مستشار أول البحوث والسياسات في معهد الحياة والسلام، ديرجي فييسا إلى أن إن هذا التشابك المتبادل يعكس بوضوح طبيعة القرن الإفريقي باعتباره «مركبًا أمنيًا إقليميًا» مترابطًا، حيث تغذي الصراعات الداخلية والنزاعات بين الدول بعضها بعضًا بصورة مستمرة.
عاين
