سودان تمورو:
في صباح هذا اليوم، وبينما كنت أشاهد نشرة الأخبار في إحدى القنوات الغربية، كان الخبر الرئيسي يتناول تبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل. لكن ما استوقفني كصحفي ومراقب لم يكن النبأ بحد ذاته، بل تلك البراعة المسمومة في “هندسة الرواية” وطريقة صياغة الخبر وترتيب أولوياته.
في الموجز الإخباري، ركز المذيع بصوت حازم على أن إسرائيل هاجمت أهدافاً عسكرية في إيران “رداً على الهجمات الصاروخية الإيرانية”. هذه الجملة التي تبدو للمستمع العابر إخبارية بحتة، تقوم عملياً بإزاحة نقطة البداية بالكامل، وتضع المتلقي منذ اللحظة الأولى داخل إطار ذهني مرسوم بعناية، يجعل إيران تبدو وكأنها البادئة بالتصعيد والمحركة لعجلة الحرب.
ومع الدخول في تفاصيل الخبر، لم يتم تصحيح هذه الصورة المشوهة، بل تم تمريرها بكلمات أكثر نعومة وضبابية؛ إذ قيل إن إيران شنت هجومها رداً على الضربات الإسرائيلية “في جنوب لبنان”. لكن جوهر القضية لم يكن أبداً مجرد اشتباك في جنوب لبنان، بل كان قصفاً للعاصمة بيروت وخرقاً صريحاً لوقف إطلاق النار. إن تقزيم قصف العواصم وتحويله إلى مجرد “تطورات في جنوب لبنان” ليس اختلافاً عابراً في التعبير اللغوي، بل هو تزييف متعمد للمعنى السياسي والاستراتيجي للحدث.
ولم يتوقف التضليل عند هذا الحد، بل تجلى التحريف الثاني في التوصيف الدقيق لأهداف الهجوم الإسرائيلي. فقد زعم التقرير أن إسرائيل ضربت “أهدافاً عسكرية” في الداخل الإيراني، في حين أن أحد أهم الأهداف التي تم الإبلاغ عن استهدافها كان مجمع “كارون” للبتروكيماويات في مدينة ماهشهر؛ نحن هنا نتحدث عن بنية تحتية صناعية واقتصادية بحتة، وليس مجرد هدف عسكري كلاسيكي كما تروج السردية الموجهة.
هنا يتأكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن الكلمات في غرف الأخبار الغربية ليست بريئة ولا محايدة أبداً. فعندما يتم تحجيم “قصف بيروت” ليصبح “هجمات في الجنوب”، وعندما تتوارى الجرائم ضد “البنية التحتية الاقتصادية” خلف ستار “الأهداف العسكرية”، وعندما يتم التلاعب بالتسلسل الزمني للأحداث ليتبادل السبب والنتيجة موقعيهما؛ فإن الخبر يفقد صفته كمرآة عاكسة للواقع، ويتحول إلى أداة تبرير وتوجيه.
إن هذه المدرسة الماكرة في صياغة الأخبار، بمهنيتها الزائفة ولغتها المدعية للحياد، تعيد حرفياً هندسة صورة الحرب في عقل المشاهد والمستمع؛ فهي تغيّر هوية المعتدي وتمنحه صك الضحية، وتخفف من وطأة جرائمه، وتقود وعي المتلقي بسلاسة نحو استنتاجات تتناقض تماماً مع حقائق الميدان الساطعة. إنها حرب أخرى تدور رحاها في استوديوهات الأخبار، رصاصاتها الكلمات، وضحيتها الأولى هي الحقيقة.
