الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالسودان و«مخطط الأبالسة»!.. بقلم محمد حسين أبوالحسن

السودان و«مخطط الأبالسة»!.. بقلم محمد حسين أبوالحسن

سودان تمورو:

دخلت الحرب فى السودان عامها الثالث، وهى مرشحة لمزيد من الاشتعال؛ بالنظر لاستمرار الحسابات الخاطئة لأطرافها، سواء من السودانيين أو مَن وراءهم من اللاعبين الإقليميين والدوليين، بينماالعالم مشغول بأوكرانيا وغزة ونووى إيران وحروب ترامب التجارية.

قبل أيام، أعلن محمد حمدان دقلو «حميدتي» قائد ميليشيا الدعم السريع تشكيل «حكومة موازية»، تتضمن نموذج حكم لا مركزيا، يُمكّن الولايات من حكم نفسها، لافتا إلى اعتزامه سك عملة جديدة للبلاد؛ ما ينذر بتمزيق النسيج السودانى، فهناك قطاع من النخب السياسية المدنية والحركات المسلحة تؤيد طرح حميدتى أو تلتقى مع أهوائه، بعضهم- مثل الوزير السابق على كرتي- دعا إلى تطبيق نموذج انفصال جنوب السودان عام 2011، كـ«حل بالحسنى» فى دارفور؛ وهو ما رفضه كتاب ومفكرون سودانيون، منهم عروة الصادق الذى أوضح أن هذا ليس مقترحا سياسيا، بل تهديد علنى بتفكيك السودان، من ذات الواجهة التى أحرقت شبابه وأكلت خيراته، واستباحت دمه، ووضعت مصيره فى يد نيران اللهب، وأضاف: ما قاله كرتى ليس رأيا، بل جريمة سياسية، فلا دارفور تُفصل، ولا السودان يُختطف مرتين، هذه الحرب «مخطط الأبالسة بامتياز». وقد عبّر ستيفان دوجاريك الناطق باسم الأمم المتحدة عن القلق من احتمالات تفكك السودان.

إن تفتيت السودان – لا قدر الله – ما هو إلا نتاج للفشل فى إدارة تنوعه الباذخ؛ ما الحرب فى دارفور، جبال النوبة، جنوب كردفان، النيل الأزرق، والشرق، إلا مظهر لعدم احترام التنوع، وشوق القوميات إلى العدالة والحكم الرشيد. هكذا تتواصل مظاهر الصراع؛ لتعارض المصالح والتنازع على القيادة، بين الطرفين المتحاربين الأساسيين، الجيش السودانى وميليشيا الدعم السريع، وهما بعيدان عن الحسم النهائى للمعارك أو تسوية الأزمة سياسيا، برغم أن الجيش حقق انتصارات قوية أخيرا فى الخرطوم وما حولها، ما دفع الدعم السريع إلى التخندق بدارفور غربا، وارتكاب فظائع فى «الفاشر» التى لا تزال تحت الحصار.التدخل الخارجى عامل أساسى فى الكارثة وتفاقمها؛ لعبت الحسابات الخارجية دورا حاسما فى دفع البلاد إلى الصراع المسلح، أشعلت قوى إقليمية ودولية الحرب بأدوات داخلية، تديرها بنظرية (إعطاء الحرب فرصة)، أى تركها مستعرة حتى تنهك المتحاربين وتنضج الثمرة؛ إذ عملت مجموعة من الدول على دعم ميليشيا حميدتي؛ للسيطرة على أكبر قدر من ثروات البلاد، خاصة الذهب، على حساب الجيش السودانى، حشدت المرتزقة من كل حدب. كل ذلك ما كان ليحدث لو أن رجل العصابات حميدتى تم منعه من تكوين ميليشيا مسلحة، أى جيش مواز للجيش السودانى، أيضا لو أن النخبة السودانية المدنية اجتمعت على كلمة سواء، وتخلت عن اختلافاتها وانغلاقها وأطماع كل طرف فى الاستفراد والإقصاء، حتى أصبح كيان الدولة الوطنية فى مهب الريح؛ معرضا للتفكك والتمزق، يدفع الشعب السودانى ثمنا فادحا للطغيان والاستبداد والصراع الفج على السلطة والتعقيدات المحيطة بالمشهد.

يعمق استمرار الحرب انقسامات النسيج الاجتماعى؛ بما يُعد تهديدا وجوديا للسودان، لن تتوقف نظرية الدومينو فى تقسيم السودان عند محطة دارفور، كما يتوقع البعض، لكنها سوف تتوسع إلى الشرق وبقية الحواف؛ ليتقزّم السودان أو يدخل فى نفق «النموذج الصومالى»، أى انهيار الدولة وتصاعد التهديدات الأمنية؛ نتيجة تمدّد التنظيمات الإرهابية.. ما يثير الأسف أن دولا، كبرى وصغرى، مثل بريطانيا وغيرها، تمد يدها للإمساك بقلب السودان، تحت ذرائع واهية، بوصفه ممرا أو معبرا للهجرة غير المشروعة إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا، مثلما تبدى فى مؤتمر لندن أخيرا، تحاول توفير غطاء سياسى وإعلامى وإغاثى لتقوية الميليشيات، وإضعاف الجيش السودانى، وإطالة أمد الصراع.

تحاول بريطانيا تحريك البيادق على الرقعة السودانية، بما يخدم مصالح حلفائها الإقليميين، كإسرائيل وإثيوبيا التى تعتبر الحرب فرصة مواتية لابد من اغتنامها؛ لأنها تشغل الخرطوم والقاهرة عن خطواتها المتسارعة فى بناء وملء «سد النهضة»، ما يهدد الأمن المائى فى مصر والسودان، بينما يسيل لعاب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للمعادن النادرة بإفريقيا، لاسيما أغنى دولتين بالمعادن والثروات فى القارة، الكونجو والسودان، وكلاهما تشهدان صراعات شديدة الخطورة على وجودهما وعلى جوارهما؛ فى ظل التزاحم بالمناكب على إفريقيا، كما وصفها جوزيف كونراد فى روايته «قلب الظلام». البريطانيون ليسوا وحدهم العرب والعجم والروس لا يغيبون عن الساحة، فى حالة اصطفاف مع هذا الطرف السودانى أو غيره، بالرعاية السياسية والدعم المادى والإسناد العسكري؛ لخدمة مصالح جيوسياسية واقتصادية؛ ما يهدد استقرار السودان ودول الجوار، هذه المصالح هى التى تحول السودان إلى ركام من الرماد والجماجم والعظام!.

على الرغم من فظاعة الحرب، فإن المساعى الدوليةلإخمادها باهتة، وتسير ببطء، لا مبادرات للحل سوى جهود ضئيلة غير موفقة لإقناع الطرفين بهدنة هشة، مع ذلك تظل القاهرةالسند الحقيقى إن لم يكن الوحيد- حقيقة – لإطفاء الحريق، لم تتخل عن الخرطوم؛ موقف يناسب الوشائج الأخوية الممتدة بين شعبى وادى النيل، والتقدير الإستراتيجى باعتبار السودان أهم عناصر الأمن القومى المصرى، قاد ذلك إلى عرفان شعبى سودانى للدور المصرى، برغم محاولات بعض الدول تحجيم هذا الدور والتأليب ضده.

إن الوضع المتفجّر، وشبح التقسيم أكبرحافز للعمل من أجل السلام بالسودان، والضغط على جميع الأطراف للخروج من جحيم الحرب!.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات