الإثنين, مايو 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيخلفيات توجهات أنقرة الباليستية بعيدة المدى .. محمد عبده

خلفيات توجهات أنقرة الباليستية بعيدة المدى .. محمد عبده

سودان تمورو
كشف قطاع الدفاع التركي الشهر الجاري، ضمن فعاليات معرض “ساها 2026” الدولي للصناعات الدفاعية والفضائية في إسطنبول، عن نموذج لأول صاروخ باليستي عابر للقارات في الترسانة التركية، وهو صاروخ “يلديريم خان” – أو “سيد البرق” – ، وهو ما يمكن اعتباره بمنزلة نقلة نوعية في قدرات تركيا على توجيه ضربات بعيدة المدى، حيث يقدر مداه بنحو 6000 كيلومتر، ما يجعله على الحد الفاصل بين الصواريخ الباليستية متوسطة المدى والصواريخ العابرة للقارات.

من حيث المواصفات المعلنة لهذا الصاروخ، المطور محلياً في مركز البحوث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية، يصنف هذا الصاروخ صاروخًا باليستيًا طويل المدى غير تكتيكي مُسلّح بأسلحة تقليدية، ولا يُعد من الصواريخ المتطورة بشكل كامل، حيث يعمل بأربعة محركات صاروخية يتم تشغيلها بالوقود السائل المركب، المعتمد أساساً على مزيج من رباعي أكسيد النيتروجين والهيدرازين، وهذا يعني انه سيحتاج إلى التزود بالوقود مباشرة قبل الإطلاق، وهي نقطة ضعف في هذا النوع من الصواريخ، نظراً للوقت الذي تستغرقه عمليات التجهيز للإطلاق، ما يؤثر على وقت الاستجابة لأوامر الإطلاق، وكذلك إمكانية التعرض لضربات مضادة أثناء التجهيز، وهي النقطة التي دفعت معظم الدول المصنعة للصواريخ الباليستية متوسطة المدى، للاعتماد على المحركات الصاروخية العاملة بالوقود الصلب.

يضاف إلى ذلك غموض المعلومات المتاحة حول مراحل هذا الصاروخ، حيث تشير بعض التقديرات إلى أنه آحادي المرحلة، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أنه ثلاثي المراحل، مع ترجيح أن النموذج الحالي سيكون أحادي المرحلة، وهو ما قد يكون مؤشر على محدودية إمكانياته التقنية، إذ لم يسبق لتركيا أن طوّرت صاروخاً قادراً على الطيران لهذه المسافة، وبالتالي تبقى مسألة المدى هي نقطة القوة الأساسية لهذا الصاروخ، إذ إن مداه المتوقع يجعل بإمكانه تغطية مساحات واسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، خاصة أن السرعة المتوقعة لتحليقه تتراوح بين 9 و25 ماخ، وهي سرعة كبيرة تسمح له بالوصول إلى أهدافه في غضون دقائق، مع صعوبة اعتراضه من معظم منظومات الدفاع الصاروخي نظراً لسرعته الكبيرة، هذا بجانب إمكانية إطلاقه من منصات اطلاق ذاتية الحركة، وتزوده برأس حربي ضخم، تصل زنته إلى ثلاثة أطنان.

البرنامج الصاروخي التركي في الميزان
بشكل عام، تحركت التوجهات الصاروخية على المستوى التسليحي في تركيا، في مسار تدريجي بطيء نسبياً، بدء منتصف تسعينيات القرن الماضي، بتطوير سلسلة من صواريخ راجمات المدفعية الصاروخية غير الموجهة، المعتمدة على نماذج صينية الصنع، كحصيلة تعاون موسع في المجال الصاروخي بين تركيا والصين، بدأ أواخر سبعينيات القرن الماضي. أسفرت هذه الحصيلة عن إنتاج سلسلة من راجمات المدفعية الصاروخية، وهي “T-122″ من عيار 120 ملم، و”TRG-230″ من عيار 230 ملم، و”TRG-300” من عيار 300 ملم، وهي صواريخ كانت الأجيال الأولى منها موجهة بالقصور الذاتي، ثم تم تطويرها لتصبح موجهة عبر الأقمار الصناعية أو الليزر، وكانت تتراوح أمديتها بين 70 و150 كيلو متراً.

انتقل التسليح الصاروخي التركي مطلع العقد الأول من القرن الحالي، إلى مرحلة الصواريخ الباليستية التكتيكية، بالإعلان عن صاروخ “J-600T”، الذي طورته شركة “روكيتسان” وأدخلته إلى الخدمة الفعلية عام 2001. هذا الصاروخ يعدّ نسخة معدلة محلياً من الصاروخ الصيني التكتيكي “B-611″، الذي سبق وأنتجته تركيا بموجب ترخيص من شركة “CPMIEC” الصينية أواخر تسعينيات القرن الماضي.

هذا النوع من الصواريخ التكتيكية، الموجّه بمزيج من التوجيه بالقصور الذاتي والتوجيه بالأقمار الصناعية، يعد نقطة الانطلاق الحقيقية لبرنامج الصواريخ الباليستية التركي، وأنتجت منه ثلاث نسخ، تتراوح أمديتها بين 150 و900 كيلو متر، وبرأس حربي تصل زنته إلى 470 كيلو غراماً. وقد خضع صاروخ “J-600T” لتحسينات شاملة، أسفرت عن إنتاج نسخة أحدث قابلة للتصدير، وهو الصاروخ “BORA”، الذي دخل الخدمة في الجيش التركي عام 2017، بمدى يتراوح بين 80 و280 كيلو متراً.

نقلة أخرى انتقل إليها البرنامج الصاروخي التركي عام 2023، بدخول أول صاروخ باليستي قصير المدى محلي الصنع الخدمة في الجيش التركي، وهو صاروخ “TAYFUN”، المصمم على أساس تصميم صاروخ “BORA” التكتيكي. تتسم عائلة هذا النوع من الصواريخ، بهامش كبير من الدقة، حيث أصاب صاروخ من هذا النوع، هدفاً بحرياً بهامش إصابة خمسة أمتار فقط، في اختبار تم في شباط/فبراير 2025، وذلك يعود إلى منظومة التوجيه المحسنة التي تعتمد في تصحيح المسار والهدف على مزيج من التوجيه بالقصور الذاتي والأقمار الصناعية.

تتوفر من هذا الصاروخ نسخة أساسية يبلغ مداها 800 كيلو متر، لكن أعلنت أنقرة العام الماضي، عن نسخة أكبر من هذا الصاروخ، تحت اسم “TAYFUN BLOCK-4″، يصل مداها الأقصى إلى 1500 كيلو متر، وتعد حالياً بمنزلة نقطة القوة الأساسية في التسليح الصاروخي التركي، علماً أن تكهنات قد أثيرت حول هذه النسخة، بشأن احتمالية أن تكون “فرط صوتية”.

نجاح صاروخ “TAYFUN”، أدى إلى دخول الجيش التركي في حقبة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، عبر الكشف عام 2023، عن الصاروخ “CENK”، الذي يصل مداه إلى 2000 كيلو متر، وعلى عكس عائلة الصواريخ السابقة، التي تستخدم مسارات جوية باليستية داخل الغلاف الجوي، فإن صاروخ “CENK” سيتخذ في تحليقه مسارات خارج الغلاف الجوي للأرض، مع إمكانية حمل رؤوس حربية متعددة، وربما شراك خداعية وتدابير مضادة أخرى ضد الدفاعات الصاروخية. هذه الحقبة أسفرت بدورها، عن الإعلان مؤخراً عن أول صاروخ باليستي عابر للقارات، وهو الصاروخ “يلديريم خان”.

الجانب الإستراتيجي من التوجهات الصاروخية التركية
مما سبق يمكن استخلاص أن الطموح التركي للاستحواذ على قدرات صاروخية متكاملة، قد بدأ عملياً منذ عقود، واتسم بنمط “تدريجي” يُطوّر من خلاله كل منصة صاروخية تصمم، بحيث يتم التوصل إلى نسخة جديدة أكبر في قدراتها ومداها، عوضاً عن تأسيس برامج تطوير متوازية. في ما يتعلق بصاروخ “يلديريم خان”، يمكن اعتبار هذا الصاروخ، أحدث وأبرز تجليات طموح تركيا المتزايد في مجال الصناعات الجوية العسكرية، ورغبتها في امتلاك قوة صاروخية تسمح لها بقدرات القصف والاستهداف متوسط وبعيد المدى.

القدرات التدميرية لهذا الصاروخ الجديد العابر للقارات، تتضمن تزوده برأس حربي ثقيل، ما يُتيح له قدرة كبيرة على اختراق التحصينات، فضلاً عن قدرته على الاستهداف الدقيق لمناطق محددة. لا توجد حتى الآن، أي مؤشرات على أن تركيا قد تسعى إلى تطوير رؤوس حربية نووية، في ظل اعتمادها منذ عقود على منظومة الدفاع الجماعي لحلف “الناتو”، والضمانات النووية الأميركية منذ الحرب الباردة. ومع ذلك، فإن الصاروخ الباليستي العابر للقارات الجديد، قد يُمثل خطوةً هامة نحو امتلاك هذه القدرة، في حال تغيرت الأولويات التركية في هذا الإطار.

استراتيجياً، يشير الموقف الحالي للبرنامج الصاروخي التركي، إلى وصول أنقرة إلى حالة من الاستقلال التكنولوجي الكامل في ما يتعلق بهذا الجانب المهم من القدرات العسكرية، عبر امتلاك قدرة صاروخية مستقبلية، تجمع بين السرعة الفائقة والمدى البعيد، ما يعزز القدرات التركية القتالية بعيدة المدى، سواء على مستوى الردع أو مستوى الاستهداف، بشكل ينقل العقيدة العسكرية التركية، من التموضع الإقليمي القريب، إلى إمكانية شن عمليات عسكرية في نطاقات بعيدة المدى، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف تقع على بعد مئات الكيلومترات، وهي نتيجة تعد بمنزلة تتويج لعقود طويلة من الأبحاث المحلية وكذا التعاون المباشر متعدد الأوجه مع الخبرة الصينية.

جانب آخر في هذا الطموح، يرتبط بأن عمليات التطوير الصاروخي التركية، لم تضع في اعتبارها فقط متطلبات الجيش التركي، بل وضعت في الاعتبار أيضاً متطلبات التصدير، حيث قامت أنقرة بتصدير نسخةمن صواريخ “BORA” المسماة “KHAN” إلى اندونيسيا، وصواريخ “TRG-230″ و”TRG-300” إلى كل من أذربيجان وأوكرانيا وبنغلاديش. من جهة أخرى، تُعدّ تركيا عضواً في نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)، وهو نظام يفرض قيوداً مشددة على تصدير الصواريخ التي تحمل رؤوساً حربية يزيد وزنها على 500 كيلو غرام إلى مدى يزيد على 300 كيلومتر، وهذا من شأنه أن يستبعد تصدير صاروخ “يلديريم خان” الجديد، ما لم تنسحب أنقرة من نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ.

استراتيجياً، وبغض النظر عن جدوى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات بالنسبة إلى تركيا، يُعدّ البرنامج الصاروخي التركي بعيد المدى، نقطة قوة استراتيجية، إذ إنها، إلى جانب “إسرائيل”، تُعدان مع المملكة العربية السعودية، الدول الوحيدة في الشرق الأوسط، التي حظيت “بغض الطرف” من جانب الولايات المتحدة الأميركية، عن مساعيها لامتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى، في المقابل، فُرضت عقوبات اقتصادية غربية واسعة النطاق على إيران، وسوريا سابقًا، لتطويرهما أنظمة ردع صاروخية خاصة بهما. هذا الجانب يرتبط في شق كبير منه، بالدور الذي تلعبه تركيا في المنظومة العسكرية لحلف “الناتو”، ناهيك بأن القدرات الصناعية لأنقرة – خاصة تكاليف العمالة الزهيدة مقارنة بمعظم أعضاء الحلف – سمح للصناعات العسكرية الدفاعية التركية، بالبروز كمُصدّر رئيسي للمنتجات الدفاعية إلى أعضاء حلف “الناتو” الآخرين، بما في ذلك الطائرات المسيرة بعيدة المدى، ومن هنا يمكن توقع أن يثير الكشف عن صاروخ “يلديريم خان”، احتمالات كبيرة لدخول هذا الصاروخ أو مشتقاته المستقبلية قصيرة المدى، ضمن تسليح أعضاء آخرين في حلف “الناتو”، خاصة أنه من المتوقع أن تطلق النجاحات التركية في المجال الصاروخي، سباقاً للتسلح والتطوير في هذا المجال، في أوروبا.

وعلى الرغم من أهمية الخطوة التركية نحو التسليح الصاروخي بعيد المدى، فإن صاروخ “يلديريم خان” مازال عملياً مجرد “مفهوم نظري” لم يتم إنتاج نموذج عملياتي واحد له، وقد تفرض بعض التحديات التشغيلية، لجوء أنقرة إلى التعاون مع دول أخرى، لإنتاج هذا الصاروخ، مستفيدة من خبرات بعضها على المستوى التصنيعي واللوجيستي، مثل اليابان والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، ومن أبرز هذه التحديات، ما يرتبط بمحدودية إمكانيات تركيا لاختبار صاروخ بمدى 6000 كيلومتر.

فميدان اختبار الصواريخ الرئيسي في تركيا، يقع على البحر الأسود، والمسافة من شرق البلاد إلى غربها تقل عن 1000 كيلومتر، وهو ما يقيد من حرية اختبار الصواريخ التركية بعيدة المدى، رغم أن أنقرة تحاول إيجاد حلول لهذا الأمر، من بينها بحث إمكانية تأسيس مراكز اختبار للصواريخ في دول أخرى صديقة لتركيا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات