سودان تمورو
إضافة إلى الأعمال الإجرامية للجماعات التكفيرية بحق المكونات المذهبية الأخرى للأمة، واحتكار هذه الجماعات للتأويلات الدينية، وتنفيذها المذابح الجماعية تلو المذابح عبر التاريخ، من مذبحة كسروان بدعم المماليك إلى الأزمنة الحديثة، ثمة حرب خطيرة منسية أو محجوبة بحق أهل السنّة وخطابهم المعتدل المعروف بكل أركانه، الأشعرية وتيارات واسعة من المعتزلة والتصوّف، وثمة أصابع يهودية وخارجية تقف وراء ذلك في كل مرة.
لقد بات واضحاً أن الجماعات التكفيرية من جهة والإبراهيمية السياسية من جهة أخرى، تتبادلان الأدوار وتتكاملان في منظومات الاستخبارات الأطلسية، ضد الشيعة والتشيّع السياسي، ثم ضد أهل السنّة.
بالنسبة إلى الجماعات التكفيرية التي ضخّمت التأويلات الخاصة بالأحاديث كما تفهمها هذه الجماعات، قياساً بالقرآن الكريم، كما لاحظ جورج طرابيشي في كتابه (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث)، فقد باتت خياراً أساسياً عند الأطلسي وحساباته، ويتذكر الجميع أنه كلما شعرت أقلام الاستخبارات الأطلسية بأن المراكز السنّية التقليدية، ليست مستعدة للدخول في أي مشاحنات واحتقانات مذهبية مسلحة ودامية ضد أي جماعات مذهبية أخرى، راحت تركز على الجماعات التكفيرية الأكثر استعداداً للدخول في مثل هذه الحروب.
ولم تتردد أقلام الاستخبارات المذكورة في تسليم السلطة لهذه الجماعات، كما حدث في أفغانستان والصومال ومناطق في غرب ليبيا، وعندما لم تجد جماعات تكفيرية تتخذ من الإسلام لبوساً لها، راحت تبحث عن جماعات غير إسلامية كما حدث في لبنان، عندما فشلت في تحويل الحريرية السياسية إلى مخلب قط دموي ضد حزب الله، فركزت على جماعات طائفية انعزالية معروفة بعلاقاتها الوثيقة مع الكيان الصهيوني.
انطلاقاً من الطبعة الأفغانية وترجمتها في سوريا باسم جبهة النصرة، وصولاً إلى القصر الرئاسي في دمشق، كما القصر الرئاسي في كابول، وتحويل سوريا كلها إلى “بافر ستيت” طائفي مسلح، فإن الأهم هو البعد الأيديولوجي الذي لا يقتصر على محور المقاومة وثقافته وتعبيراته السياسية، بل استبدال الخطاب السنّي التاريخي، الأشعري المعتدل، بخطاب بديل مختلف كل الاختلاف من حيث تأويلاته وآلياته ومرجعياته.
وبهذا المعنى، فإن برنامج الجماعات التكفيرية لا يكتفي بالمذابح الجماعية كما حدث في الساحل السوري، بل يستهدف إزاحة وشطب الخطاب السنّي المعتدل تحضيراً لما هو أخطر وأكبر وأوسع، ما يذكر بالمواجهة الكبيرة بين علماء وشيوخ دمشق والقاهرة من أهل السنّة وبين ابن تيمية، وكانت الخلافات أعمق من الفقه الخاص بالميراث والطلاق ومسائل من هذا القبيل.
الإبراهيمية السياسية، الأداة الأخرى ضد السنّة
إضافة إلى الخطاب التكفيري بمرجعياته المختلفة، من ابن تيمية إلى الوهابية إلى البقية، تعود الإبراهيمية السياسية إلى تجارب سابقة أجرتها الاستخبارات البريطانية خلال استعمارها لآسيا الوسطى، بما في ذلك الأوساط الإسلامية في الهند الكبرى القديمة، وما زالت رواسبها موجودة في تيارات معروفة، مثل القاديانية والبهائية، إلا أنها لم تنضج كمشروع استخباري استراتيجي إلا مع الرئيس الأميركي الأسبق، كارتر، في تسويقه “كامب ديفيد”، ثم من خلال توصيف هذا الاتفاق وامتداداته باسم الاتفاقيات الإبراهيمية، والعمل على تعميمها قبل قطع الطريق عليها إثر طوفان الأقصى.
ويمكن القول إن الإبراهيمية السياسية هي العنوان الأبرز لمشروع الشرق الأوسط الجديد، الصهيوني الأطلسي، والذي يستهدف إعادة هيكلة الدول والبنى والاقتصاد في عموم المنطقة، وفق معادلة المركز الإسرائيلي والمحيط العربي والإسلامي، انطلاقاً من فكرة كارتر وتأويلها الصهيوني.
فبحسب كارتر، فإن الصراع في المنطقة ليس كما هو شائع، ويقصد عند الوطنيين بكل خلفياتهم الفكرية والسياسية (صراع مع الإمبريالية والصهيونية وامتداداتهما)، بل هو صراع بين أبناء إبراهيم، آن له أن يتوقف، وأن يدخل هؤلاء الأبناء في عقد أخوي جديد، وهو ما يعني في العقل الصهيوني عقد عبودية بين أبناء سارة (الحرّة) وأبناء هاجر (الجارية).
هكذا إذاً كان الخطاب التكفيري ينهل من المراجع اليهودية كما سنرى، ويهمّش الأئمة المكرّسين عند أهل السنّة، فإن الخطاب الإبراهيمي يذهب أبعد من ذلك في الإحالة المرجعية اليهودية نفسها.
شيء من التاريخ، الجذور الأموية للحرب على الصحابة والسنّة
– كانت البداية مع اغتيال عمر بن الخطاب وإزاحة هذه العملية عن مدبريها الحقيقيين، التي عُرفت بمنفّذها فقط (أبو لؤلؤة)، فالأصل فيها أن المغيرة بن شعبة (وكان للرسول رأي فيه وبإسلامه) هو الذي دبّر ذلك مع عدد من أمراء وقادة الجند في الكوفة، بعد أن رفض عمر تسجيل أراضي الفتح باسمهم، باعتبارها جزءاً من بيت المال يمكن التصرّف فيها تحت عنوان حق التصرّف لا حق الملكية والرقبة.
ولقد ظلّت هذه السياسة قائمة حتى استبدلها صلاح الدين الأيوبي حين وزّع الكثير من الأراضي على أولاده وإخوته باسم حق الرقبة، ما تسبّب في صراعه مع الزنكيين، حتى أنّه وقّع صلح الرملة مع الغزو الصليبي للتفرّغ لقتال الزنكيين.
– في زمن معاوية، من الذين اغتيلوا الصحابي عمار بن ياسر والصحابي حجر بن عدي الكندي ومحمد ابن الخليفة أبو بكر بأمر من والي معاوية على مصر، وقد قطعت جثته وجرى حشو دابة بها.
– في زمن يزيد بن معاوية، إضافة إلى مذبحة كربلاء، فقد كان نصيب أهل السنّة وأبناء الصحابة وأحفادهم من القتل أكبر بكثير من آل البيت، فقد قتل جيش يزيد من أبناء المدينة المنورة وبينهم أبناء وأحفاد الصحابة، العشرات بل المئات، إضافة إلى سبي الحرائر، وذلك لرفضهم مبايعته بسبب سلوكه المنافي للتربية والقيم الإسلامية، ومن الذين قتلهم جيش يزيد في الحرّة قرب المدينة:
o أبو بكر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
o عبد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب
o سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب
o عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق
o موسى شقيق عائشة بنت ـبي بكر
o عبد الله ابن أنس بن مالك
o يحيى ابن أنس بن مالك
o سعيد بن زيد بن ثابت
o محمد بن زيد بن ثابت
o زيد ومصعب وعبد الله أبناء عبد الرحمن بن عوف
o إسماعيل بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت
o عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وابنه أبو بكر
وغيرهم الكثير…
أما الجذور النظرية لكل ذلك، فتعود إلى تداخل القبلي مع الأيديولوجي، وعدم اقتصار الملاحقة الأموية على الخصوم السياسيين، بل امتدت إلى الخصوم الأيديولوجيين لفكرة الجبر، مثل الجعد بن درهم وغيلان الدمشقي والجهم بن صفوان.
