سودان تمورو:
في خضمّ نيران لا تهدأ، وساحة تحترق ببطء، يقف السودان على تخوم الانهيار؛ دولة تُجلد من داخلها بعجز مؤسسي أضعف جيشها، وتُنهش من خارجها بمليشيا تمرّدت على حدود المنطق، فصارت دولة داخل دولة، تُحركها أجندات لا سودانية الوجه ولا النوايا. الجيش، الذي يفترض أن يكون عماد السيادة، بات مكشوف الظهر ومثقلاً بجراحٍ لا تندمل.. انهيارات ميدانية، تخبط استراتيجي، وتصدّعات داخلية مزّقت جسده قبل أن يمسّه الرصاص. فليس السلاح وحده ما يُهزم، بل الغياب المزمن للرؤية، والتنازع على ولاءات لا تنتمي للوطن، جعل الجيش طرفاً يتنفس بصعوبة في معركة تفوق قدراته وتحاصره من كل الجهات.
على الضفة الأخرى، تقف مليشيا الدعم السريع لا كمجرد فصيل مسلح، بل كقوة منظمة تمتلك تمويلاً إقليمياً سخياً، وطائرات مسيّرة، ومنظومات دمار، وسردية حرب لا تعترف بقوانين ولا بأخلاقيات. مشهد يشي بأن هذه المليشيا لم تعد تحارب كتمرد، بل تنفّذ مشروعاً فوق وطن، تُختصر فيه سيادة السودان إلى مجرد ورقة تفاوض بين رعاة الحرب. إن الغطاء الإقليمي، وعلى رأسه الدعم الإماراتي، لم يعد همساً في الكواليس، بل حقيقة تُترجم قتلاً وقصفاً وتجنيد أطفال، وتُحوّل الصراع إلى طاحونة تهرس كل ما تبقى من نسيج وطني.
الدم السوداني لم يعد رخيصاً فقط، بل صار بلا ثمن. فحين يُقصف القصر الجمهوري بلا رد، وتُحتل المدن بلا مقاومة تذكر، ويُحاصر الجيش في معاقله، فإن السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب، بل.. هل تبقّى من الدولة ما يمكن إنقاذه؟ وإن بقي، فبأي ثمن؟ فالخطر لم يعد داخلياً محضاً، بل تحوّل إلى صراع دولي بالوكالة على أرض تُباع سيادتها بصمت رسمي وعجز دولي. وإذا لم تُكسر حلقة التمويل الخارجي، وإذا لم يُستأصل سرطان الانقسام من داخل المؤسسة العسكرية، فإن الانهيار الكامل ليس احتمالاً، بل مساراً حتمياً.
الخروج من هذا الجحيم يبدأ بإعادة تعريف المعركة.. ليست بين جيش ومتمردين، بل بين وطن يُراد له الحياة، وقوى تحترف تفكيكه. الهيكلة الصارمة للجيش، والمواجهة الدبلوماسية العلنية للتمويل الإقليمي، وتحريك الشارع تحت راية “معركة بقاء لا سياسة”، هي اللبنات الأخيرة لبناء جدار صدٍّ وطني. فإما أن يتحول السودان إلى شوكة في حلق من أرادوا ابتلاعه، أو أن يُمحى اسمه من الجغرافيا، ويبقى فقط في أرشيف الكوارث الدولية.
التاريخ لا يرحم المترددين، والسودان اليوم لا يملك ترف الوقت إما أن يُستعاد أو يُستبدل.
بعد أن دخلت الحكومة السودانية في مواجهة علنية مع دولة الإمارات، لم يعد من الممكن التعامل مع الأخيرة كفاعل خفي أو شريك محتمل، بل باتت خصماً معلناً، يتقن صناعة الاتهامات وفبركة الوقائع، ويسعى لتقويض الدولة السودانية عبر أدوات الدعم العسكري والتمويل السياسي. ويبدو جلياً أن الإمارات قد كثّفت دعمها لقوات الدعم السريع، فزوّدتها بأسلحة نوعية، من بينها منظومات دفاع جوي متقدمة وطائرات مسيّرة متعددة المهام، في تحول خطير يعيد تشكيل موازين القوى على الأرض.
وفي ضوء هذا التحول، فإن على الجيش السوداني أن يُعيد ترتيب أولوياته الاستراتيجية، وأن يُسرع في حشد قواته في مناطق التماس، ويُزوّدها بأحدث منظومات التسليح والتجهيز القتالي، مع إيلاء اهتمام خاص بتحديث شبكات الرادار وأنظمة الدفاع الجوي، تحسّباً لأي تصعيد محتمل.
لقد دخلت الحرب منعطفاً حرجاً؛ إذ استطاعت قوات الدعم السريع امتصاص خسائرها وإعادة تنظيم صفوفها. ومن الخطأ الاستراتيجي منحها فرصة الانتقال من وضعية الدفاع إلى استعادة زمام المبادرة والقيام بهجمات مباغتة. المطلوب الآن هو الحسم والتفوق، لا التراخي وانتظار المبادرة من الخصم.
