الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارتحالف السودان التأسيسي.. بين الخطابٌ والواقعٌ!

تحالف السودان التأسيسي.. بين الخطابٌ والواقعٌ!

سودان تمورو:

في وطنٍ أنهكته الحروب وتنازعته الطموحات الشخصية المقنّعة بشعارات وطنية يطلّ تحالف السودان التأسيسي بخطابٍ يبدو للوهلة الأولى مختلفًا جريئًا بل وواعدًا. لكنه عند التمحيص لا يخلو من تناقضات تُعيد للأذهان تجارب سابقة فشلت في تحويل الكلمات إلى مشاريع دولة. فالبيان الأخير للتحالف بقدر ما يحرك المشاعر يفتح الباب لتساؤلات حادة.. هل أصبحنا أسرى للبلاغة في وطنٍ يموت فيه الناس بصمت؟ وهل يكفي أن تهاجم “العصابة” لتكسب ثقة الشعب؟.

ما جاء في بيان التحالف من وصفٍ صريح لمنظومة الحكم المختبئة خلف مؤسسات الدولة يكشف وعيًا بتركيبة السلطة السودانية المتوارثة. لكنه في ذات الوقت يُكرر ذات اللغة الثورية التي ألفها الشعب وملّها لا لأنها لا تلامس الوجع بل لأنها كثيرًا ما كانت مدخلًا لخيانة الوجع ذاته. السودانيون اليوم ليسوا ذلك الشعب الذي تخدعه الشعارات لقد مرّوا على كل محطات الأمل المزيّف.. من الحركات المسلحة التي ترفع شعار التحرير إلى الأحزاب التي تتقن فنّ التسويات على حساب الوطن حتى باتوا يحترمون من يعترف صراحة بأنه يريد منصبًا أكثر من الذين يختبئون خلف لافتة “الوطن أولًا” وهم ينهشونه من الأطراف.

المفارقة الأليمة أن بعض من يتصدرون مشهد “التحالف التأسيسي” كانوا يومًا ما جزءًا من النظام البائد أو رافقوه في محطاته المظلمة أو صمتوا عن جرائمه حتى بلغ السيل الزبى. فكيف يمكن إقناع السودانيين بأن “المشروع الاستراتيجي” الجديد ليس سوى إعادة تدوير لأدوات الماضي؟ هل مجرد التلويح بعبارات مثل “سلام حقيقي” و”اجتثاث العصابة” كافٍ ليُحدث قطيعة مع الواقع المنهك؟ أم أن ما نشهده هو محاولة أخرى لاستثمار اللحظة الثورية لصناعة واجهة جديدة لتحالف قديم؟.

الواقع السوداني لا يحتاج إلى شعارات مرفوعة فوق الدم بل إلى صدقٍ يُترجم إلى مواقف وإلى رجالٍ يقدّمون الفعل على القول. وإن كان التحالف جادًا في بناء وطن فعليه أن يبدأ بنقد الذات لا نقد الغير وبالاعتراف بالخلل في صفوفه قبل فضح عورات الآخرين. عليه أن يقطع مع كل رموز الفساد لا أن يحتضنهم تحت عباءة “الضرورة السياسية”. أن يعلن مصادر تمويله بشفافية لا أن يدير حركته داخل غرفٍ معتمة. أن يُظهر قدرته على تقديم نموذج جديد في العمل السياسي لا نسخة منقحة لما سبقها.

السودان اليوم لا يحتاج إلى نُخب جديدة تُعيد اجترار ذات الأساليب وتُلبسها لبوسًا حديثًا. لقد تعب هذا الوطن من الخطابات. من البيانات التي تُكتب بمداد الحماسة بينما تُراق الدماء في الشوارع والقرى والأطراف. من التحالفات التي ترتفع على جثث الأبرياء ثم تتهاوى على طاولات المفاوضات بحثًا عن نصيبٍ في كعكة منهوبة.

لقد وُلد في السودان وعيٌ جديد لا يُخدع بالمنشورات ولا تُرعبه البنادق بل يسأل دائمًا.. “ماذا بعد الكلام؟” وهذا هو التحدي الحقيقي لتحالف السودان التأسيسي وما شابهه من تحالفات لا في عدد الكلمات التي يختارها لبيانه بل في عدد الخطوات التي يخطوها خارج الظل. خارج التبرير. خارج التواطؤ.

هذا التحالف تسيطر عليه عقلية الغنيمة و ازدواجية المعايير و شهوة الامتيازات تحت لافتة التحرير فإن مصيره لن يختلف عن مصائر سابقيه. سيُكتب عليه أن يُضاف إلى سجل الخيبات المتراكمة.

في السودان لا ينقصنا من يتحدث باسم الشعب. ينقصنا من يصمت من أجله ليعمل بصمت من أجله ليموت إذا لزم من أجله دون أن يطلب مقابلاً.

وهنا يُمتحن الفرق بين “مشروع وطني” و”مسرحية سياسية”.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات