الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالاستكبار الأمريكي وهَوَيات الذل!.. بقلم أحمد حسن

الاستكبار الأمريكي وهَوَيات الذل!.. بقلم أحمد حسن

سودان تمورو:

لقد أماط خطابُ المرشد الإيرانيّ اللثام عن جوهر الصراع وكشف المستور من خلف ركام الدبلوماسية ومزاعم الحوار.. أمريكا لا تُفاوض بل تُساوم؛ لا تُخاطب بل تأمر؛ ولا تُراهن على شراكة بل تبتغي استسلاماً كاملاً بلا شروط. إنّه خطابٌ تقشعرّ له جلود الأحرار ويُوجّه صفعة مُدوية في وجه أولئك الذين ما زالوا يظنون أنَّ للذئبِ قلبَ حمل أو أنَّ لنجوم واشنطن ضياءٌ يُنير درب الشعوب.

لم يكن تصريح الرئيس الأمريكي حول “ضرورة استسلام إيران” زلة لسان بل هو الاعترافُ الأكثر صراحةً حتى الآن بنيّة المشروع الأمريكي.. سحق الإرادة الحرة وتجريد الشعوب من سيادتها وتركيعها عند عتبة “النظام الدولي” الذي لا يرى للشرق وزناً إلا إذا جاء منحنياً. هذا القول لم يخرج من فراغ بل يُعبّر عن عقيدة ضاربة الجذور في عقل الدولة الأمريكية حيث لا مجال لسيادةٍ خارج إطار الهيمنة ولا مكانَ لأمةٍ عصيّةٍ على التطويع.

لقد تبدلت الأقنعة وتلونت الشعارات لكنّ الحقيقة لم تتغيّر. تارةً باسم “حقوق الإنسان” وأخرى باسم “الديمقراطية” وثالثةً بذريعة “حقوق المرأة”؛ لكن القصد دوماً هو إخضاع الرافضين ونزع الهيبة من صدور من يملكون قرارهم لتسهل مصادرة الثروات وتزييف الوعي ثم اختزال الكرامة في قنينة نفط أو ورقة تفاهم مهينة.

ما قاله المرشد الإيرانيّ ليس خاصاً بجمهوريته بل هو نداء لكل أمة ما زالت تُقاوم أن تُباع على مائدة الغالبين ولشعوبٍ عرفت طعم العزّة ولا تريد أن تُطعم أبناءها خبزاً مخلوطاً بالذل. إيرانُ ليست وحدها المستهدفة؛ فكلُّ دولةٍ ترفض التبعية تُوضع على اللائحة السوداء.. فلسطين اليمن العراق سوريا لبنان والسودان بل حتى دول الخليج التي تحسب أنها حليفة تُعامَل وفق ذات المنطق الاستعلائيّ عند أول مفترق.

أكثر من أربعين عاماً وإيران تحت الحصار يتبدّل الرؤساء تتغير الأدوات لكن الثابت واحد.. كسرُ شوكةٍ تجرّأت على قول “لا” في وجه أعتى الإمبراطوريات ورفضت أن تلبس جلابيب الطاعة. وها هو المرشد يُعلنها من جديد.. “إيران لا تعرف الاستسلام” لا لأنها دولة طوباوية بل لأنها تدرك أن التنازل الأول هو بداية سلسلة تنازلات لا تنتهي إلا بفقدان الهوية وتحلل السيادة.

في هذا السياق لا بد من استدعاء المقولة التي أرعبت المستكبرين عبر التاريخ.. “هيهات منا الذلّة”. ليست مجرد شعارٍ ديني أو سياسي بل هي فلسفة وجودية تختصر نظرة الشعوب الحرة إلى نفسها والعالم.. إننا نُولد أحراراً ونموت واقفين ولا نُساوم على الكرامة ولو تراكمت الجراح. هذه الكلمة التي نطق بها الحسين يوم الطفّ تكرّرها اليوم طهران وستُردّدها غداً كل أرضٍ تُنجب أحراراً من بيروت إلى بغداد ومن صنعاء إلى غزة.

فهل تُدرك شعوبنا العربية أن لا مكان في هذا العالم لضعيفٍ يتودد أو مهادنٍ يتمنّى؟ إنّ من لا يحمي إرادته يُسلب مستقبله ومن لا يدفع ضريبة العزّة يُجبر على دفع ثمن الذل. هذه هي الحقيقة التي يريد الخطاب أن يوقظ بها الغافلين.

إن أمريكا ومن خلفها منظومة الاستكبار العالمي قد تطيل زمن الحصار وقد تكثف أدوات الترهيب لكنها لن تفلح في إطفاء جذوة الكرامة في قلب أمة تعلّمت من دماء شهدائها أن الأوطان تُبنى بالعزة لا بالخنوع.

فليعلم الطغاة.. لن تُنكسَ راياتُ الحرية ولن تَرقُعَ نجومُ أمريكا أعلامَ العبودية. فالشمس التي تُشرق من الشرق لن تغيب و”هيهات منّا الذلة” ليست من الماضي بل وعدٌ مستقبليٌّ لا يموت.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات