خاص سودان تمورو
بين الفوضى وسيادة القانون، ثمة خطٌّ دمويٌّ يفصل بين الدولة والمليشيات. ما حدث في الخرطوم، حيث ضبطت “القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح” ثلاثة أفراد ينتحلون صفتها، ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الانهيار الأمني الذي تُسببه تغوُّل المليشيات في حياة المدن. لكن السؤال الأكبر: لماذا يوجد أصلاً من ينتحل صفة مليشيات مسلحة؟ ولماذا تُمنح هذه الجماعات شرعية ارتداء الزي العسكري والتجول به في شوارع المدن؟
الزي العسكري ليس قطعة قماش عابرة، بل هو رمز لسلطة الدولة واحتكارها الشرعي للقوة. عندما تسمح السلطات لمليشيات غير نظامية بارتداء هذا الزي، فإنها تفتح الباب أمام كارثة أمنية. الأزياء العسكرية يجب أن تكون حكراً على الجيش والشرطة، أي على مؤسسات الدولة التي تخضع للمساءلة والرقابة. أما أن تتعدد “الأزياء” وتتعدد معها الولاءات، فتلك بداية الانهيار.
المتّهمون الذين ضُبطوا في الخرطوم ليسوا سوى نتاج طبيعي لهذا التسيّب. فحين تتحول الشوارع إلى ساحة صراع بين مليشيات متنافسة، ويصبح الزي العسكري غطاءً للسرقة والترويع، فمن يتحمّل المسؤولية؟ أليست السلطات التي سمحت بوجود هذه المليشيات أصلاً؟
لا يجوز، تحت أي ذريعة، أن تحل مليشيات مسلحة مكان الشرطة في إدارة الأمن داخل المدن. الشرطة مؤسسة مهنية تخضع للقانون، أما المليشيات فتخضع لأجندات ضيقة، وغالباً ما تكون جزءاً من المشكلة لا الحل. تحذير “القوة المشتركة” للمواطنين من انتحال صفتها هو اعتراف ضمني بخطورة وجودها في الفضاء المدني. فإذا كانت هذه الجماعة نفسها عاجزة عن ضبط عناصرها، أو تمييز المحتالين من المنتسبين الحقيقيين، فكيف ستضمن أمن المواطنين؟
الأخطر من ذلك هو أن السماح للمليشيات بالعمل الأمني يعطي شرعية لوجودها، ويُربك المواطن بين من يمثل الدولة ومن يمثل الفصائل المسلحة. وفي النهاية، يصبح الأمن سلعة تُمسك بها أيادٍ عديدة، كلٌّ منها تفرض شروطها وتجارتها.
الحل الوحيد هو إعادة بناء الدولة، واستعادة احتكارها للقوة. أي زي عسكري خارج هذا الإطار هو وصمة عار على جبين السيادة. على السلطات أن تختار: إما أن تكون الدولة هي الحَكَم، أو أن تترك الساحة لصراع المليشيات، حيث القانون هو قانون الغاب، والأمن هو أمن العصابة الأقوى.
الخرطوم، وغيرها من المدن، ليست ساحات حرب، ولا يمكن أن تكون رهينةً لتنافس المسلحين. آن الأوان لوقف هذه المهزلة، وإلا فليُعلَن رسمياً أن الدولة قد غادرت المشهد، تاركةً المواطنين لقمة سائغة لكل من يحمل سلاحاً ويزياً عسكرياً مزيفاً.
