الجمعة, مايو 8, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارحين يصبح الوطن غنيمةً للصراع لا ميدانًا للبناء!

حين يصبح الوطن غنيمةً للصراع لا ميدانًا للبناء!

سودان تمورو:

ما يحدث في السودان من تمزّق حزبي لا يمكن وصفه إلا بأنه انهيار شامل لفكرة العمل السياسي بمعناه الوطني الحقيقي. فمن انقسامات حزب الأمة إلى تفتت الاتحادي الديمقراطي، ومن تفريخ المؤتمر الوطني إلى تشظي حزب المؤتمر السوداني ذاته—كل ذلك يعكس مشهدًا عبثيًا لم تعد فيه السياسة ساحة للمبادئ، بل ميدانًا مفتوحًا للارتزاق والانتهازية.

إعلان عشرة من أعضاء حزب المؤتمر السوداني انضمامهم إلى كيان جديد باسم “حزب المؤتمر السوداني الفيدرالي”، وما تبعه من سقوط تلقائي لعضويتهم حسب لوائح الحزب، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الانشطارات التي لم تعد تستفز أحدًا، لكثرة تكرارها ورتابة خلفياتها. فلم يعد الانقسام بسبب خلاف فكري أو اختلاف في الرؤية الوطنية، بل بات في أغلب الأحيان نتيجة لصراع نفوذ، أو اختلاف حول الغنائم، أو تنفيذًا لأجندات خارجية تموّل وتوجّه، بينما تُرفَع فوق المنابر شعارات الوطنية والحرية والديمقراطية.

الحقيقة المؤلمة هي أن الساحة السياسية السودانية تحولت إلى سوق رخيص للمصالح، يتبارى فيه من لا مشروع له سوى الطموح الشخصي، ومن لا سلاح له سوى الولاء المصلحي والقدرة على تبديل المواقع والانتماءات كما تُبدَّل القمصان. فالسياسة في السودان، لدى طيف واسع من الناشطين الحزبيين، لم تعد مسؤولية أو تضحية، بل أصبحت “مهنة” لمن فشل في سواها. هذا النوع من العمل السياسي لا يُنتج دولة، ولا يبني مؤسسات، بل ينسف حتى الفكرة الأولية لبناء وطن موحَّد.

وإذا كان حزب المؤتمر السوداني يفاخر بأنه صمد أمام ضغوط الحرب ورفض الانحياز، فإن ما يعلنه من ثبات لم يمنع تساقط بعض أعضائه، الذين لم يحتملوا مغريات الاصطفاف أو لم يصمدوا أمام بريق الغنيمة السياسية. وهذا لا يُعيب الحزب وحده، بل يفضح بنية حزبية هشّة قائمة في معظم التنظيمات السودانية، حيث الولاء هش، والانتماء مرهون، والاختلاف يؤدّي غالبًا إلى الانقسام لا إلى الحوار.

هذا التشرذم لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية العدد المتزايد للأحزاب والكيانات، بل من زاوية أكثر خطورة: غياب الرؤية الجامعة، وانعدام المشروع الوطني. لا يمكن لحزب ينشأ من رحم انشقاق أن يكون أكثر نضجًا من الحزب الذي خرج منه، ولا يمكن لكيان بُني على ضيق أفق أن يتحول فجأة إلى منصة لحلّ أزمات وطنية. ففاقد المشروع لا يمكنه أن يُنتج مشروعًا.

وقد يُطرح في هذا السياق اقتراحٌ طالما تردّد: أن تُشترط قاعدة جماهيرية كبيرة لأي حزب يُراد له التمثيل والمشروعية. لكن هل يكفي شرط العدد وحده؟ وهل تَوفُّر الملايين من الأعضاء يضمن الفكر والرؤية والالتزام؟ المؤكد أن لا. إذ لا بد من تأسيس منظومة رقابة حقيقية، تفرز الأحزاب على أساس برامجها، وتُحاسبها على أدائها، وتُلزمها بالشفافية في التمويل والانضباط في الهيكل والممارسة. لا بد من تشريعات تُحاصر الانتهازية السياسية، وتمنع تأسيس الأحزاب كـ”أدوات رزق” أو أدوات للاسترزاق الخارجي.

فما لم يتم اجتثاث عقلية “السياسة كمهنة” و”الحزب كوسيلة للارتقاء الشخصي”، فإن كل محاولة لإصلاح المشهد ستبقى شكلية، ولن تتعدى تبديل الأسماء وتغيير الشعارات. وما لم يُفهم أن السياسة هي فنّ الممكن لصالح الجماعة، لا حرفة لخدمة الذات، فلن تقوم للسودان قائمة سياسية. بل سيبقى البلد حقلًا تجريبيًا لتفتيت متواصل، تُشعل نيرانه الأهواء الضيقة وتغذيه القوى الإقليمية والدولية الباحثة عن “وكلاء محلّيين”.

إن السودان، في هذه المرحلة المصيرية، لا يحتاج إلى مزيد من الأحزاب، بل إلى إعادة تعريف الحزب نفسه. لا يحتاج إلى “تنظيمات” جديدة، بل إلى وعي سياسي جديد. لا يحتاج إلى زعامات، بل إلى قيادة جماعية تُخرج الوطن من مستنقع التشظي، وتُعيد الاعتبار لفكرة الدولة والمؤسسات.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كم حزبًا لدينا؟ بل: كم مشروعًا وطنيًا حقيقيًا تطرحه هذه الأحزاب؟ وكم منها مستعد أن يُقدّم تضحية حقيقية لا أن يقتات على معاناة هذا الشعب المكلوم؟ إلى أن نجد إجابة صادقة، سيبقى المشهد الحزبي في السودان مجرّد انعكاس مأساوي لانهيار السياسة… حين تتحول من أداة للتغيير، إلى وسيلة للنهب السياسي المشروع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات