السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيما يجب أن يعرفه الوسطاء!.. بقلم مدى الفاتح

ما يجب أن يعرفه الوسطاء!.. بقلم مدى الفاتح

سودان مورو:

كانت مهمة التوسط لحل الأزمة السودانية وتقريب وجهات النظر صعبة منذ البداية، لكنها الآن صارت أصعب بعد إعلان الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو «حميدتي» عن أسماء المسؤولين في حكومته. قليل من السودانيين كان يعولون على نجاح جهود الوساطة في إنهاء الصراع، لعدة أسباب من أهمها أن ما تم التعهد به في مفاوضات جدة في بداية الحرب، لم تتوفر آلية لمتابعة تنفيذه، إلى جانب وجود حالة من التشكك في نوايا كثير من المتداخلين، الذين يبدون أكثر رغبة في هندسة الصراع من رغبتهم في إنهائه. في الحقيقة، أننا نرى أن كثيراً من أولئك الوسطاء، لم يستوعبوا بشكل كاف أبعاد الأزمة، التي هي أكثر تعقيداً من أي أزمة أخرى في الإقليم.

يمكننا هنا، على سبيل المثال، أن نصدم الراغبين في التوسط بمعلومة أولوية، وهي أن الحرب ليست ضد «الدعم السريع»، هذه المعلومة، إذا ما تم استيعابها، ستشرح كيف أن جميع جهود التوسط، المبنية على جلوس الطرفين، أو حتى على تقديم جزرة أو التلويح بعصا تجاههما، تمر بلا تفاعل من أصحاب المصلحة، الذين لا يرون أن خصومتهم هي مع «الدعم السريع» أصلاً.

من أجل مزيد من الشرح اللازم، فإنه يجب العودة قليلاً إلى ما وراء الأزمة الراهنة عبر التذكير، بأن «الدعم السريع»، الذي ارتبط باسم «حميدتي»، إنما نشأ بالأصل كميليشيا قبلية مساندة للجيش، كما يظهر من اسمها. تكونت هذه الميليشيا من قبائل تعرف بالعربية وتشتهر باسم «الجنجويد»، الكلمة، التي تعني في أهم معانيها «أبناء جنيد». هذه التفاصيل مهمة قياساً لطبيعة الحرب العرقية، التي كانت سائدة في إقليم دارفور في غرب السودان. كانت مهمة هذه المجموعة العسكرية، التي كانت معروفة بالتمرس على القتال الشرس، خاصة في الصحراء، هو مقاتلة المتمردين على الدولة، الذين كانوا ينتمون للقبائل الإفريقية الأخرى، وهو ما نجح فيه «حميدتي»، الذي استطاع خلال سنوات معدودة أن يكسر شوكة الجماعات المسلحة المتمردة وأن يلحق بهم هزائم كبيرة. لكونه يعمل بطريقة أقرب للعصابة القبلية والعائلية، ولأنه لم يكن محتاجاً لكثير من البيروقراطية، التي تتميز بها الجيوش النظامية من أجل تحريك القوات، أو القيام بهجمات، فإن الاستعانة بحميدتي كانت أمراً مهماً للجيش، الذي كان يواجه تهديدات من محاور مختلفة ضد طيف واسع من المتمردين، الذي كانت قيادته ترى أن أسلوب عمل الجيش الكلاسيكي وطبيعة تكوينه كانا يحولان دون تحقيق الانتصارات المأمولة. إلا أنه كان هناك سبب آخر يدفع لاستبقاء حميدتي وتكليف القوات، التي يقودها، والتي كانت متأسسة على الولاء القبلي المحض، بمزيد من المهام الأمنية، وهو أنه كان يعمل بطريقة لا سقف أخلاقيا لها، كما أنه كان مستعداً لإنجاز المهام، التي كان يكلف بها مهما كان الثمن. هذا أيضاً منحه أفضلية على الجيش النظامي، الذي يشغله التفكير في مصير كل رصاصة تطلق، والذي كان يعتمد على استراتيجية تسعى للانتصار بأقل الخسائر. نجاح حميدتي في مهمته قربه أكثر من الرئيس السابق عمر البشير، الذي أشاد به وبقدرته على حشد الرجال وتحقيق الأهداف في أكثر من محفل.

كثير من الوسطاء، لم يستوعبوا بشكل كاف أبعاد الأزمة السودانية، التي هي أكثر تعقيداً من أي أزمة أخرى في الإقليم

في مرحلة الانتقال عقب سقوط البشير كان دور حميدتي مهماً، حيث ساهم دعمه في إنجاح ما عرفت آنذاك بـ»ثورة ديسمبر». كان حميدتي يحب أن يقول إنه كان جزءاً من تلك «الثورة»، كما أن كثيراً من أتباعه ما يزالون يرددون ذلك إلى اليوم بافتخار، معتبرين أن حربهم ضد الدولة لم تكن إلا امتدادا للثورة الأولى. ربما لا يحب المتحمسون للحظة الحادي عشر من أبريل 2019 ذكر ذلك، لكن الحقيقة هي أن عدم تدخل قوات حميدتي في تلك اللحظات الحاسمة، التي كان الخناق فيها قد بدأ يضيق على البشير، ساهم فعلاً في تمرير «الاستبدال» بشكل سلس، ودون عوائق، حيث كانت القوات المدربة على الفظاظة والعنف، قادرة، إن أرادت، على وقف تقدم «الثوار» وتحويل التغيير السياسي إلى حلم بعيد. الذي حدث بعد ذلك هو أن حميدتي لم يعد زعيماً لميليشيا، أو حتى مجرد قائد لإحدى أهم المجموعات العسكرية، وإنما تحول للرجل الثاني في الدولة، وأحد أهم المشرفين على السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية فيها، أما قواته فقد تضاعفت أعدادها عدة مرات، كما أنها استطاعت أن تحصل على أقوى الأسلحة وأفضل التدريب لدرجة أنها باتت تنافس الجيش نفسه. من الصعب الجزم حول ما إذا كان حميدتي جزءاً من خطة استبدال البشير، لكن الأكيد هو أنه كان المستفيد الأكبر من الأحداث، حيث انتقل من شخصية هامشية في السياسة المحلية إلى الاسم الأكثر أهمية من ناحية الوزن السياسي والعسكري، وأيضاً المالي، بعد أن استطاع مراكمة الثروة وتكوين امبراطورية مالية جعلته يوصف بأنه أحد أغنى الرجال في إفريقيا. ما لم ينتبه له كثيرون هو أنه كان من الصعب على رجل مثل حميدتي أن يتخلي عن روحه القبلية، التي كانت سبب نجاحاته السابقة، فعلى عكس ما كان تردد الدعاية السياسية المتملقة والمادحة لجهوده، فإن حميدتي لم يكن يحارب المتمردين حباً في الدولة السودانية كوطن يريد أن يذود عنه ويدفع عنه أذى المتمردين، وإنما ببساطة لأن المتمردين كانوا منتمين لقبائل يراها بنظرته القبلية منافسة ومعادية لانتماءاته العشائرية، لهذا فإن ملاحقة هذه القبائل وإضعافها وتفكيك قوتها العسكرية كان يحقق هدفاً مزدوجاً لشخص حميدتي، الذي كان يستطيع بدافع القبيلة أن يجمع أعداداً غير محدودة من المقاتلين، ولكن ايضاً للدولة، التي كانت تعتبر أن بإمكانها الاستفادة من هذه التناقضات القبلية بما يخدم تحقيق الاستقرار. خلال سنوات حكمه حاول حميدتي بشكل خادع أن يغطي على منطلقاته القبلية والعنصرية، فعلى الرغم من استخدامه لأذرع الدولة في تثبيت سلطته وإضعاف المنتمين لمن يعتبرها جهات منافسة، فإنه كان يتبنى في الظاهر خطاباً وطنياً ويعمل على تقريب بعض الأسماء، غير المنتمية لعشيرته منه، مانحاً بعضها حوافز ومناصب تضليلية. هذه السياسة نجحت بالفعل في كسب قلوب كثير من الذين لم يتوقفوا قليلاً مع أنفسهم ليتساءلوا مثلاً: لماذا فككت «الثورة» ثروات وشركات كثير من رجال الأعمال من أقاليم الوسط والشمال بحجة أنهم كانوا مقربين من البشير، ولماذا سجنت الكثير من رموز «المؤتمر الوطني» في الوقت، الذي كانت تفرج فيه عن حسبو عبد الرحمن نائب الرئيس البشير، الذي سيعمل منذ ذلك الوقت كمستشار مقرب من حميدتي؟

الخلاصة هي أن الحرب على الدولة في الخرطوم كانت الحلقة الأخيرة في مسلسل طويل أبلغ وصف له هو ما قاله أحد قادة الميليشيا: حرب «الغرابة»، أي أهل الغرب، على «الجلابة»، أي ساكني الوسط والشمال. ذلك المبرر العنصري، على قبحه، كان الدافع الأكثر إقناعاً لآلاف المستنفرين من أبناء قبائل الجنجويد، الذين تقدموا بحماس من أجل مساندة حميدتي والانتقام بشكل أعمى مما اعتبروها «حواضن الجيش». بهذا، فإن هذه المأساة ما كانت لتنتهي بمحاولة استرضاء «الدعم السريع»، الذي لم يعد له وجود، ولا حتى بإعادة استيعاب حميدتي، الذي بدأ يفقد السيطرة على الميليشيا المجرمة التي بناها.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات