سودان تمورو:
ما شهدته مدينة نيالا وأجزاء من دارفور في الأيام الماضية ليس مشهدًا ديمقراطيًا لولادة سلطةٍ شعبية، بل عرضًا مرتبكًا لإنتاج وهمٍ سياسيٍّ جديد، تُستنسخ فيه تجربة الجنوب لكن بدماء أكثر، ووطنٍ أقل. المسيرات التي رُفعت فيها شعارات تأييد لتحالف “تأسيس” لا تعكس بالضرورة إرادة شعبٍ حرّ، بل تكرّس تحشيدًا تحت ظلال البنادق، في محاولة لشرعنة كيان موازٍ يقفز فوق الدولة، ويتغذى على الانهيار العام وفقدان الأمل.
الذين خرجوا إلى الشوارع، بغضّ النظر عن دوافعهم، لا يمكن اختزالهم في مشهد مؤيد لسلطة أمر واقع شكّلها محمد حمدان دقلو، وتحمل توقيع رموز سياسية مثل عبد العزيز الحلو ومحمد حسن التعايشي. فالمسيرات، بكل كثافتها الإعلامية، لا تُلغي حقيقة أن “تأسيس” مشروع ولِد من رحم الانقسام المسلح، لا من رحم التوافق المدني.
دارفور، التي تعاني منذ عقود من التهميش والتمييز والإقصاء، تستحق دولةً عادلة، لا سلطتين فاشلتين. تستحق اعترافًا بمعاناتها، لا استغلالًا لهذه المعاناة كوقود لتقسيم السودان وتفكيكه. صحيح أن حكومة بورتسودان عاجزة، بل وغائبة في كثير من الملفات، لكن الانزلاق نحو الاعتراف بسلطة موازية تحت عباءة “تأسيس” هو بمثابة قبول بتقنين الانقسام، وتكريس الانفصال، وإعادة تدوير المأساة على هيئة انتصار.
إن التحشيد الذي شهدته نيالا لا يمكن أن يُمنَح غطاءً سياسيًا لمجرد أنه حمل شعارات مدنية. فالواقع أكثر تعقيدًا، وغالبية من خرجوا إمّا مغرر بهم أو مقاتلون في صفوف الدعم السريع، وبالتالي **لا يمثلون الإرادة الشعبية لدارفور، ولا يُعتدّ بهم في ميزان الشرعية الوطنية**.
السودان اليوم أمام مفترق طرق: إمّا أن يستعيد دولته الواحدة الموحدة عبر حوار شامل يُنهي الحرب، وإمّا أن يتحول إلى أرخبيل من الميليشيات والحكومات الموازية التي تُجهز على ما تبقى من وطن.
الرسالة الأهم هنا: لا شرعية لحشدٍ تحت البندقية، ولا اعتراف بأي سلطة موازية تُقام على أنقاض الوحدة الوطنية. ومن يساوم على وحدة السودان مقابل مكاسب ظرفية، لا يختلف كثيرًا عمّن أوصلوه إلى حافة الانهيار.
