الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةنبض الصحافةالعدل والمساواة.. مناورة سياسية أم إرهاصات لتحول جذري؟

العدل والمساواة.. مناورة سياسية أم إرهاصات لتحول جذري؟

سودان تمورو:

في خضم واقع سوداني بالغ التعقيد، تتجه الأنظار نحو بيان صادر عن حركة العدل والمساواة السودانية، رحّبت فيه بقرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الداعم لحكومة السودان ورافضًا لفكرة “الحكومة الموازية”، مطالبةً برفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد. بيان يبدو في ظاهره مسؤولًا ووطنيًا، لكن دلالاته وتوقيته يدعوان إلى الوقوف مليًا أمام احتمالاته ومعانيه، خاصة في ظل تجربة مريرة مع الحركات المسلحة التي طالما لعبت بأوراق السياسة والبندقية في آن واحد.

لا يمكن إنكار أن موقفًا كهذا يستحق التقدير من حيث المبدأ، لأنه يدعم فكرة الدولة في مقابل التشرذم، ويصطف إلى جانب المؤسسات الشرعية بدل مشاريع الانقسام والازدواجية. لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة مُلحة حول دوافع الحركة الحقيقية: هل هو تحول استراتيجي نابع من مراجعات داخلية عميقة ومسؤولية وطنية؟ أم أنه مجرد تموضع تكتيكي في لحظة إقليمية ودولية حساسة؟ وهل يمكن الوثوق بأن هذا الانعطاف سيتطور إلى مسار واضح نحو العمل السياسي المدني بدل استمرار الاحتماء بالسلاح؟

إن مطالبة الحركة برفع تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، رغم وجاهتها السياسية، تكشف عن رغبة في لعب دور “الشريك السياسي” بدلاً من البقاء في خانة “الفصيل المسلح”، لكنها في الآن نفسه لا تعني شيئًا إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية تُمهد لتحول كامل في سلوك الحركة وتوجهها، بدءًا من الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار، مرورًا بالمشاركة الجادة في الحوار الوطني، وصولًا إلى الانخراط في الحياة السياسية كقوة مدنية لا عسكرية.

السودان لا يحتاج فقط إلى بيانات “مُرحبة” أو مواقف “ذكية”، بل إلى قرارات جريئة تعيد صياغة مشهد لطالما اختلط فيه العمل المسلح بالمساومات السياسية، وتفككت فيه الدولة أمام طموحات الفصائل. إن تجربة السودان مع الحركات المسلحة تفيض بالوعود المنقوصة والاتفاقات الهشة، وأي مصالحة وطنية حقيقية يجب أن تبدأ بنزع السلاح، وبإعلان واضح لا لبس فيه بأن زمن البنادق قد انتهى.

ما طرحته العدل والمساواة قد يكون بداية مختلفة، لكن وحدها الأفعال هي من تُعطي للبيانات معناها. هل ستتبع الحركة هذا البيان بمبادرات فعلية لنزع سلاحها ودمج مقاتليها في الجيش الوطني؟ هل ستشارك في العملية السياسية بوصفها حزبًا مدنيًا لا جماعة مسلحة لها أذرع؟ وهل ستدفع الحركات الأخرى للسير في هذا الاتجاه، أم تكتفي بلعب أدوار مزدوجة تُطيل أمد الأزمة السودانية؟

الفرصة التاريخية التي لاحت في الأفق لا تحتمل التلاعب ولا الحسابات الصغيرة. ما يحتاجه السودان هو تجاوز ثنائية السلاح والسياسة، وبناء عقد اجتماعي جديد تُحتكم فيه إلى صناديق الاقتراع لا فوهات البنادق. بيان العدل والمساواة خطوة على الطريق، لكن الطريق نفسه لا يزال طويلًا ووعرًا، ولا بد أن يُعبّد بالأفعال لا الأقوال، بالتجرد لا المناورة، وبالصدق لا الانتهازية.

السودانيون ينتظرون من هذه الحركات أن تُجرب لأول مرة أن تكون جزءًا من الحل لا من المشكلة، وأن تبني شرعيتها لا على فوهات البنادق، بل على أصوات المواطنين. والاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات