الخميس, مايو 14, 2026
الرئيسيةنبض الصحافةجوع الفاشر… حين ينهش الجشع ما تبقّى من إنسانيتنا!

جوع الفاشر… حين ينهش الجشع ما تبقّى من إنسانيتنا!

سودان تمورو:

الفاشر اليوم ليست مدينة على خريطة السودان، بل جرح مفتوح في ضمير أمة كاملة. جوع يطحن العظام، وأسعار تنحر الكرامة، وأمل يتساقط مع كل يوم جديد. حين يصبح الأمباز – علف الماشية – آخر ما تبقى على موائد البشر، ويقف جوال الدخن على رفّ الجشع بسعر 11 مليون جنيه، فإننا لا نعيش أزمة غذاء وحسب، بل أزمة أخلاقية تفوق في فداحتها أي حصار أو حرب.

إن المأساة هنا ليست فقط في انعدام الطعام، بل في انعدام الرحمة. بعض التجار وجدوا في جوع الناس فرصة ذهبية لتكديس الأرباح، وكأن دموع الأطفال الجياع هي الوقود الذي يشعل خزائنهم. نحن أمام مشهد فاضح لثقافة استغلالٍ ضاربة الجذور، حيث الجشع لا يفرّق بين زمن الرخاء وزمن الكارثة. وحين نحاول أن نحمّل الحكومات وحدها وزر ما يحدث، نكون قد ارتكبنا نصف الحقيقة، والنصف الآخر هو أن هذا الجشع خرج من رحم المجتمع نفسه.

تغيّرت الحكومات وتبدلت الوجوه، لكن بقيت الغرائز ذاتها: نهبٌ من فوق السلطة ونهبٌ من تحتها. إن التاجر الذي يرفع السعر إلى أفقٍ مجنون لا يقل فساداً عن المسؤول الذي ينهب المال العام، والمواطن الذي يشتري دون احتجاج يشارك – ولو بصمته – في ترسيخ هذه الممارسات. هنا يصبح الفساد بنيةً ثقافية، لا قراراً إدارياً فحسب.

لا خلاص من هذا المستنقع ما لم نواجه الحقيقة المرة: إصلاح الدولة يبدأ بإصلاح الضمير الجمعي. لا يكفي أن نلعن الظلام في المجالس، بل يجب أن نحاصر المستغلين بالعزلة الاجتماعية ونجرّدهم من شرعية التعامل. يجب أن تتحرك الدولة بسرعة لتثبيت الأسعار، ومعاقبة كل من يتلاعب بقوت الجائعين، وأن تُطلق برامج توعية تذكّر الناس بأن الربح المشروع لا يُبنى على تجويع الآخرين.

الفاشر اليوم مرآة نرى فيها أنفسنا بلا رتوش. إما أن نتحرك لإنقاذها بما تبقى فينا من إنسانية، أو نتركها تسقط، وعندها سنكتشف أن ما مات هناك لم يكن أهل الفاشر وحدهم، بل آخر ما تبقى من شرفنا الجمعي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات