سودان تمورو:
في السودان، يبدو أن الحديث عن التحول المدني صار مجرد شعار فاخر يُرفع في المؤتمرات، بينما الممارسة الفعلية تذهب في اتجاه آخر تماماً. تحذير الكتلة الديمقراطية من تعديل الوثيقة الدستورية دون مشاورة واسعة هو أمر في جوهره صحيح، لكنه في الوقت نفسه يفضح حقيقة المشهد: الكل يريد ديمقراطية، لكن على طريقته الخاصة، وبما يضمن له نصيب الأسد من السلطة. فحين يدور النقاش حول تشكيل المجلس التشريعي بالتعيين لا بالانتخاب، ندرك أن ما يُسمى بالانتقال الديمقراطي ليس سوى إعادة إنتاج لوصاية جديدة، حيث تتبدل الأسماء لكن تبقى قواعد الاحتكار ذاتها.
المفارقة الصارخة أن بعض القوى السياسية التي تصرخ اليوم ضد الإقصاء هي ذاتها التي تخشى مواجهة صناديق الاقتراع، لأنها تدرك أن رصيدها الشعبي لا يتجاوز الضجيج الإعلامي. ولو كانت تثق فعلاً في قوتها، لدعت إلى انتخابات عاجلة، ولو على مستوى المحليات، بدلاً من المطالبة بمقاعد تمنحها لها التعيينات خلف الأبواب المغلقة. أي ديمقراطية هذه التي تبدأ بحرمان الشعب من حقه في الاختيار، ثم تزعم أنها تحمي إرادته؟
المشكلة أن الوثيقة الدستورية تحولت من عقد وطني جامع إلى ورقة مساومة بين النخب. والتعديلات المقترحة، إذا مرت دون حوار وطني واسع، فلن تكرس إلا مزيداً من الانقسام وفقدان الثقة. نحن لا نرفض تشكيل المؤسسات الانتقالية، بل نرفض أن تكون هذه المؤسسات مجرد ديكور شرعي لهيمنة سياسية مموهة.
السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يختار ديمقراطية كاملة تبدأ بانتخابات حرة تمنح الشعب حقه في تحديد من يمثله، أو يظل يدور في حلقة مفرغة من انتقالات شكلية، حيث تُستبدل الوصاية العسكرية بوصاية حزبية لا تقل استبداداً. الخوف من الانتخابات ليس خوفاً على البلاد، بل خوف على مقاعد ومكاسب لن تصمد أمام حكم الشعب. وإن لم نكسر هذه الحلقة الآن، فسنظل نعيش تحت رايات الحرية، بينما تُدار البلاد بعقلية الإقطاع السياسي القديم.
