سودان تمورو:
المشهد الذي يُجبر فيه وزير الإعلام، الأستاذ خالد الأعيسر، على الصمت القسري، ليس مجرد واقعة بروتوكولية عابرة، بل هو علامة فارقة على حجم الاختلال في جسد حكومة الدكتور كامل إدريس. كيف يمكن لوزيرٍ هو من المفترض أن يكون لسان الدولة وواجهتها الإعلامية، أن يُمنع من ممارسة صلاحياته حتى اضطر لأن يتحدث بصفته “مواطنًا” لا وزيرًا؟ إن هذا وحده يكفي ليجعل المنصب أقرب إلى لافتة بلا مضمون أو كرسي شاغر إلا من الاسم.
المعادلة هنا بائسة إلى حد السذاجة؛ فإما أن الأعيسر غير جدير بالمنصب، وحينها فإن الإبقاء عليه خطأ سياسي فادح وإهانة لمؤسسات الدولة، أو أنه جدير به لكن الحكومة اختارت أن تحتفظ به كـ”ديكور صامت” لا يُسمح له بالكلمة ولا بالمبادرة، وهو ما يعكس ذهنية حكم تُفضل الشكليات على الفعل، وتقبل أن تُخسر معركة الرأي العام في لحظة هي بأمس الحاجة فيها إلى سلاح الكلمة.
الأمر يصبح أكثر وضوحًا إذا ربطناه بتصريحات الأعيسر السابقة ضد الإمارات، والتي جاءت قبيل إعلان مجلس الأمن والدفاع قطع العلاقات مع أبوظبي. يبدو أن هذه التصريحات كانت نقطة تحول في علاقته مع مراكز القرار، فبدل أن يُدعم موقفه أو يُعالج الخلاف سياسيًا، فُرض عليه الصمت، في إشارة إلى أن الحكومة تُعاقب من يتجاوز “الخطوط المرسومة”، حتى لو كان ذلك في إطار الدفاع عن الموقف الوطني.
ما يحدث ليس مجرد تقزيم لدور وزير، بل هو إضعاف متعمد لأداة الدولة الإعلامية، وتحويلها من جبهة مواجهة إلى مكتب صامت يكتفي بنقل البيانات. في دولة تمر بأخطر مراحلها، يصبح إسكات صوت وزير الإعلام فعلًا لا يقل خطورة عن التخلي عن جبهة من جبهات القتال. فإما أن تملك الحكومة شجاعة تمكين وزرائها من أداء أدوارهم كاملة، أو تعلن صراحة أن الحقائب الوزارية مجرد كراسٍ للزينة، لا مواقع للفعل والتأثير.
السودان اليوم يحتاج إلى حكومة تتحدث بصوت واحد واضح، لا إلى مجلس وزراء نصفه أصوات والنصف الآخر ظلال. الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل انكسارًا، ومن يختار إسكات وزرائه، يختار أن يفقد أحد أهم أسلحته في معركة البقاء.
