سودان تمورو:
في غزة، لم يعد الموت نتيجة القصف وحده، بل صار مترصداً للفلسطيني حتى وهو يقف في طوابير المساعدات. ثلاث شهداء وإصابات أخرى سقطوا قرب مركز توزيع تابع للشركة الأمريكية الإسرائيلية في محور موراغ، وجريمة مماثلة ارتُكبت قرب زيكيم شمال القطاع. هذه المشاهد ليست أخطاء عسكرية ولا حوادث عرضية، بل جرائم حرب ممنهجة تندرج بوضوح تحت خانة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.
إن استهداف المدنيين العزّل أثناء بحثهم عن الغذاء هو انتهاك صارخ للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقوبات الجماعية، وللمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول الذي يحظر استخدام التجويع كسلاح حرب. الاحتلال لم يكتف بحصار يقتل ببطء، بل حوّل المساعدات الإنسانية إلى فخاخ موت، وهو ما يرقى إلى جريمة مزدوجة: التجويع ثم الإعدام الميداني.
القانون الجنائي الدولي واضح في توصيف مثل هذه الجرائم: المادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعتبر “الهجوم الموجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين” جريمة ضد الإنسانية، بينما المادة (6) تعرّف الإبادة الجماعية بأنها الأفعال المرتكبة بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية. فما الذي يحدث في غزة إن لم يكن تدميراً ممنهجاً لشعب بأكمله؟
الشركة الأمريكية الإسرائيلية التي تدير مركز التوزيع شريكة في الجريمة، لأنها توفّر غطاءً إنسانياً زائفاً لمسرحيات دموية، والولايات المتحدة بدعمها العسكري والسياسي تشارك بصورة مباشرة في استمرار هذه الجرائم. العالم الذي يتحدث عن “النظام الدولي القائم على القوانين” يثبت عملياً أنه نظام قائم على الانتقائية، يُطبق حيث يشاء ويتعامى حين تكون الضحية فلسطينياً.
الصمت الدولي ليس مجرد خذلان، بل هو شكل من أشكال التواطؤ. فالتقاعس عن محاسبة الاحتلال يُشرعن جرائمه ويمنحه الضوء الأخضر لمزيد من القتل. إن الفشل المستمر لمجلس الأمن والمجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات ملزمة لا يعكس عجزاً فحسب، بل يرسّخ ازدواجية المعايير التي جعلت القانون الدولي رهينة المصالح السياسية.
لكن، مهما اشتد الجوع والقصف، فإن الدم الفلسطيني لن يذهب هدراً. فكل جريمة تكتب سطراً إضافياً في ملف الاتهام، وكل شهيد يقف شاهداً على أن ما يجري ليس صراعاً عابراً، بل جريمة إبادة جماعية ستُحاسب عليها الإنسانية عاجلاً أم آجلاً. غزة، برغم النزيف، تظل البوصلة، والاحتلال – مهما طالت جرائمه – لن ينجو من محكمة التاريخ ولا من عدالة الشعوب.
