سودان تمورو:
تدهور الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية لم يعد حدثاً اقتصادياً عابراً، بل تحوّل إلى عنوان لانهيار السياسات وفساد المنظومة. جلوس رئيس الوزراء كامل إدريس مع وزير المالية جبريل إبراهيم للبحث عن حلول ليس سوى تكرار لسيناريوهات سابقة، بينما يعلم الجميع أن أصل الداء معروف وأن الدواء أوضح من أن يُتجاهل: السيطرة الكاملة للدولة على صادر الذهب.
السودان يطفو فوق بحر من الذهب، لكنه يعيش في قاع اقتصاديات العالم. كيف يستقيم أن يكون المورد الأول للعملة الصعبة خارج قبضة الدولة؟ إن المسألة ليست معقدة كما تُصور، فالحل يتمثل في أن تشتري الحكومة الذهب مباشرة من المعدنين بأسعار منافسة وعادلة، لتقطع الطريق على الوسطاء وتضمن تدفقه إلى الخزينة العامة. ومن ثم يُصدّر هذا الذهب عبر قنوات سيادية، وتُوظف عائداته في استيراد القمح والوقود والدواء، لا في ترف النخب أو رفاهية القلة. وعندها فقط يمكن للجنيه أن يستند إلى قاعدة إنتاجية وصادرات حقيقية، بدلاً من الطباعة العشوائية التي لا تخلّف سوى تضخم يلتهم ما تبقى من قدرة المواطن الشرائية.
لكن العقبة الكبرى ليست في السياسات بل في من يحتكرون الذهب والدولار معاً. هؤلاء “القطط السمان” الذين سيطروا على السوق وحولوا ثروة الوطن إلى مزاد خاص، يهربون الذهب ويضاربون بالدولار، ويصنعون أزمة دائمة تضمن استمرار أرباحهم الفاحشة. إنهم ليسوا مجرد تجار، بل دولة ظل كاملة النفوذ، أقوى من الحكومة في بعض الأحيان، تُضعف المؤسسات عمداً وتُبقي البلد رهينة الندرة والفوضى.
الاقتصاد السوداني لن يتعافى ما لم تُكسر شوكة هذه المافيا، وما لم تسترد الدولة سيادتها على ذهبها. فالمعركة الحقيقية ليست بين الجنيه والدولار، بل بين شعب يطالب بحقه في ثرواته وبين قلة فاسدة تقتات على انهياره. وأي حديث عن إصلاح اقتصادي دون مواجهة هذه الحقيقة هو مجرد ذر للرماد في العيون.
إن إنقاذ الجنيه يبدأ بقرار سياسي شجاع يضع مصلحة الأمة فوق مصلحة السماسرة، ويعيد للذهب مكانته كرافعة للاقتصاد لا كسلاح لابتزاز الدولة. فإما أن تنتصر إرادة الإصلاح وتُقطع أيدي القطط السمان، أو يظل السودان حبيس حلقة مفرغة من التدهور والانهيار.
