سودان تمورو
ظلّ الخطاب اللاديني، في كثيرٍ من طعناته المعاصرة، متكئاً على إسقاطاتٍ تراثيّةٍ أو قراءاتٍ جزئيّةٍ للنصوص، دون تدبر و تمحيصٍ لغويّ أو تحرٍّ لسياقات الخطاب القرآني في بناء المفهوم العقدي. ومن أبرز مواضع القصور و الخلط يتجلّى في الخلط وعدم التمييز الدلالي بين المفردات المتقاربة في النصّ المقدّس. ومثال ذلك ما يورده بعضهم – على سبيل التندّر – في برامجهم أو قنواتهم على المنصّات الرقمية، حين يسألون: كيف كان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كافراً فأسلم، بينما يصرّح القرآن في أكثر من موضع بأن الكافرين: ﴿سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾؟
والمفارقة هنا أنّ القائل لا يُميّز – كما ينبغي – بين “الكفر” و”الشرك” في بناء المفهوم القرآني ذاته؛ فيقيس إسلام عمر بن الخطاب على ميزان الكفر العدميّ، لا على ميزان الشرك التعدّديّ.
فالقرآن لا يستخدم مفردة “الكفر” لكلّ مخالفٍ عقائديّ، بل يخصّ بها من طمس فطرته بالكلية، وأغلق وعيه عن إدراك التوحيد في تجلياته الكونيّة، بينما “الشرك” في الخطاب القرآني يعني الإشراك في العبادة مع الاعتراف بالربّ الأعلى. ومن ثمّ، فإنّ قريش ــ بمن فيهم عمر ــ لم يكونوا كافرين بالمفهوم القرآني المطلق، بل مشركين يؤمنون بالله، ويُشركون معه آلهةً في التقرب. وهذا فرق جوهريّ في فهم المشهد العقديّ. فمن حيث الأصل اللغوي، لا يشترك “الكُفر” و”الشِّرك” في جذرٍ دلالي واحد، بل ينهض كلٌّ منهما على بنية لغوية مستقلة تُفضي إلى معنى مغاير من حيث الإشارة والمقصد. فـ”الكفر” مشتق من الجذر (ك-ف-ر)، الذي يدلُّ في أصله على الستر والتغطية، كما في قولهم: “كفرَ الليلُ الشيءَ”، أي غطّاه، أو “كفر الفلاحُ البذرَ”، أي واراه في التربة. وعلى هذا، فإن الكُفر لا يُفهم لغوياً إلا في سياق الإخفاء والتعمية، سواء أكان ذلك لنعمةٍ أو لحقٍّ. أمّا “الشِّرك”، فمن الجذر (ش-ر-ك)، الذي يدل على التسوية والاقتران، وهو مأخوذ من “الاشتراك” و”الشَّرِكة”، أي جعلُ الشيئين متكافئين في نصيب أو فعل. وبذلك، فإن الشِّرك يُحيل إلى ضمِّ طرفٍ آخر إلى ما يُفترض فيه التفرُّد، وهو لا يُرادف الستر، بل على العكس، يُصرّح بالإقحام والمزاحمة. وبناءً عليه، فإن القول بأن الشرك نوعٌ من الكفر لا يصح لغوياً، إذ لا يتولّد أحدهما من الآخر، ولا يدخل أحدهما في دائرة الآخر. ولا يتقاطعان إلا في ذهنية تتعمّد الخلط باستدعاءٍ تبعيضيٍّ لقواميس اللغة حتى تصل لغرضها باللغو في القرآن.
ومردّ هذا الخلط، فيما نراه، إلى غياب التأسيس المعرفيّ في نقد الدين، والانكفاء على سيقاتٍ سلفيّةٍ تقليدية لم تُعَدّ لتواكب الفتوحات العلمية، ولا لقراءة الظاهرة الدينيّة كمنظومة كونيّة متكاملة.
