الأحد, مايو 10, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبار900 يوم بلا جريدة.. هل انتهى زمن الورق في السودان؟

900 يوم بلا جريدة.. هل انتهى زمن الورق في السودان؟

سودان تمورو:

في شوارع الخرطوم التي طالما ازدحمت بأصوات الباعة وهم ينادون بعناوين الصحف، ساد صمت ثقيل. توقفت المطابع عن الدوران، وجفّت ماكينات الحبر، لتغيب الصحف الورقية عن المشهد تماماً.

هكذا أغلقت الحرب في السودان صفحة من تاريخ طويل للصحافة، لتتحول الأخبار إلى نصوص عابرة على شاشات الهواتف ومنصات التواصل، بينما ظل الفراغ واضحاً في ذاكرة أمة اعتادت أن ترى نفسها في صفحات الجريدة.

صباح بلا جريدة

اعتبر الكاتب الصحافي البارز محمد عبد الماجد أن توقف صدور الصحف الورقية في السودان غيّر من تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين، لا سيما لدى الأجيال التي اعتادت استقبال الصباح بقراءة الصحف مع الشاي أو القهوة. وقال إن سكان العاصمة كانوا يتدافعون إلى المكتبات أو ينتظرون باعة الصحف في الشوارع، فيما ظل أهل الولايات يترقبون حافلات السفر التي تحمل إليهم “غلة” الصحف عند منتصف النهار أو قبيل الغروب.

الخانة سُدّت

وأوضح عبد الماجد في حديث إلى “العربية.نت” و”الحدث.نت” أن “غياب الصحف الورقية أفسح المجال أمام تمدد الأخبار عبر الوسائط الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي وجدت الساحة خالية بلا منافس”. واستشهد ببيت شعر شهير لقيس الملوح:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى… فصادف قلباً خالياً فتمكّنا

وأكد الكاتب أن عودة الصحف الورقية – في حال تحققها – لن تعيد الأمور إلى سابق عهدها، قائلاً: “الخانة الشاغرة سُدّت بغيرها، ولن يكون بمقدورها منافسة الوسائط الجديدة”. ورأى أن الأجيال التي ألفت قراءة الصحف اضطرت للبحث عن بدائل أخرى لمتابعة الأخبار، مشيراً إلى أن السودان يعيش منذ نحو 900 يوم بلا صحف ورقية مطبوعة.

المنصات تصعد

في السياق ذاته، يقول عثمان ميرغني، ناشر ورئيس تحرير صحيفة “التيار”، إن غياب الصحف الورقية لم يكن قراراً اختيارياً، بل ثمرة مباشرة للحرب التي أوقفت الطباعة وقطعت سلاسل التوزيع. لكنه يرى في حديثه لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” أن العودة – إن حدثت – ستكون محدودة وبأعداد أقل، في ظل التكاليف الباهظة وتراجع منافذ البيع.

ويربط ميرغني ما يجري في السودان باتجاه عالمي، حيث تراجعت مكانة الورق لصالح المنصات الرقمية التي تمنح القارئ سرعة الوصول وتفاعلاً فورياً، ما جعل النسخ الإلكترونية بديلاً عملياً يغني كثيرين عن الجريدة المطبوعة.

محتوى سطحي

لكن الصورة ليست بهذه البساطة، كما يؤكد الصحافي المخضرم بدر الدين الباشا لـ “العربية.نت” و”الحدث.نت”. ويرى أن اختفاء الصحافة الورقية لم يكن مجرد توقف آلة طباعة، بل انهيار تقاليد مهنية عريقة شكّلت مدرسة لتخريج الصحافيين وصناعة التحقيقات العميقة. وانعكس غيابها – كما يقول – مباشرة على جودة المحتوى، إذ باتت المنصات الرقمية أسيرة للسرعة والمعلومة العابرة، فيما فقدت الأجيال الجديدة من الصحافيين فرصة التكوين المهني داخل مؤسسات اعتادت أن تصنع الخبر بحرفية ومسؤولية.

مئات العاطلين

الأزمة امتدت إلى ما هو أبعد من غرف التحرير. مئات الصحافيين والفنيين وعمال الطباعة وجدوا أنفسهم بلا عمل، وسوق الإعلانات – الذي ظل لعقود شريان تمويل الصحافة – انهار بدوره. هكذا لم يكن الانتقال إلى الرقمي مجرد تحول تقني، بل زلزالاً بنيوياً هز صناعة الإعلام السوداني من جذورها.

وعلى أنقاض هذا المشهد، ظهرت منصات رقمية جديدة، غير أن معظمها وجد نفسه أسيراً لتمويل أطراف الحرب أو قوى سياسية، وسط حرب موازية من التضليل الإعلامي على وسائل التواصل الاجتماعي.

خطاب الكراهية

أما محمد عبد العزيز، سكرتير عام نقابة الصحافيين السودانيين، فيذهب أبعد من ذلك، محذّراً من أن غياب الصحف الورقية فتح الباب أمام تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على أسس عرقية وجهوية. فالصوت المهني الجامع تلاشى، تاركاً المجال مفتوحاً أمام سرديات أطراف النزاع، من دون توثيق مؤسسي أو سجل محفوظ في دار الوثائق القومية، كما جرت العادة في المحطات المفصلية من تاريخ السودان.

من 100 ألف إلى صفر

ويكشف عبد العزيز لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت” أن بعض الصحف التي كانت تطبع أكثر من 100 ألف نسخة يومياً تراجعت قبيل الحرب إلى نحو 20 ألفاً فقط، قبل أن تسقط الحرب آخر ما تبقى. ويضيف أن هناك 27 صحيفة توقفت، وما يقارب 1000 صحافي فقدوا وظائفهم منذ اندلاع القتال، فيما نُهبت المؤسسات الصحافية أو هُجرت، وانهارت الإيرادات والإعلانات.

وفي المقابل، تناسلت مئات المواقع الإلكترونية – يقدّرها بأكثر من 250 – لكنها لم تملأ الفراغ، بل زادت من فوضى المعلومات وتضارب الروايات.

900 يوم بلا ورق

اليوم، وبعد مرور نحو 900 يوم تقريباً على اندلاع الحرب، لا تزال الصحف المطبوعة غائبة تماماً، ومعها غابت صورة السودان التي كانت تُرسم يومياً بالحبر الأسود على الورق الأبيض. وهكذا، تُطوى صفحة كاملة من تاريخ الصحافة السودانية، لتبقى البلاد معلّقة بين فضاء رقمي صاخب بلا ضوابط، وذاكرة ورقية تتآكل بصمت.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات