سودان تمورو:
في قلب الخرطوم الجريحة، يقف تمثال الملك الكوشي تهارقا، بملامحه الصارمة وحجمه المهيب، كأنه يحرس أطلال حضارة تُستباح من جديد. لم يعد التمثال رمزاً لانتصارات مملكة كوش في القرن السابع قبل الميلاد فحسب، بل صار شاهداً على انكسار حاضرٍ تتناثر فيه شظايا الذاكرة السودانية بين ركام المتحف القومي. هناك، حيث امتزج الغبار بقطع الزجاج المهشم، تتبدد آلاف السنين من التاريخ في صمتٍ موجع، فيما يظل تهارقا واقفاً كرمز لصمود حضارة عريقة أمام عواصف النسيان والنهب.
نهب على وقع الحرب
منذ إعلان السلطات السودانية في 2022 عن نهب المتحف القومي، لم تتوقف المأساة. عشرات الآلاف من القطع الأثرية “تبخرت في ظلام الحرب”، كما تقول روضة إدريس، ممثلة النيابة العامة السودانية في لجنة حماية المتاحف والمواقع الأثرية. وتضيف بأسى: “لم ينجُ من آثار المتحف القومي سوى الآثار الكبيرة أو الثقيلة التي يصعب حملها”.
وبحسب مصادر خاصة، بدأت بعض القطع تظهر بشكل متقطع في دول مجاورة مثل مصر وتشاد وجنوب السودان، ما يثير مخاوف متزايدة من انتشارها في أسواق التهريب العالمية.
إرث ضائع
يصف حاتم النور، المدير السابق لهيئة الآثار والمتاحف، حجم الكارثة بقوله: “المتحف القومي كان يضم أكثر من 500 ألف قطعة تغطي مساحة زمنية كبيرة جداً شكلت التاريخ العميق للشخصية السودانية”.
المتحف الذي تأسس في ستينيات القرن الماضي كان يحتضن آثار حضارات متعاقبة امتدت من عصور ما قبل التاريخ إلى الممالك الإسلامية، مروراً بالحضارة الكوشية وممالك نبتة ومروي. لكنه اليوم يرزح تحت أنقاض الحرب، وقد تحوّلت حدائقه التي كانت تضم نماذج نهر النيل وأشجاراً نادرة إلى أرض قاحلة يملؤها العشب الجاف.
غرفة الذهب.. الجرح الأكبر
غير أن الفاجعة الكبرى، كما تصفها إخلاص عبد اللطيف، مديرة المتاحف في هيئة الآثار السودانية ورئيسة وحدة متابعة الآثار المسروقة، كانت في “غرفة الذهب”. هذه القاعة التي احتفظت بمقتنيات لا تقدَّر بثمن، تضم حلياً وتماثيل وأدوات مذهبة من عيار 24 تعود إلى ما يقارب ثمانية آلاف عام.
تقول عبد اللطيف في تصريحاتها: “سرقت الغرفة عن بكرة أبيها، لقد ضاع كنز حضارة كوش، كنز لا يقدَّر بالمال”، مشيرة إلى أن هذه القطع كانت تخص أفراد الأسر الحاكمة في الممالك الكوشية، حضارة ازدهرت بالتوازي مع الإمبراطورية الرومانية ولم تكن أقل شأناً من الحضارة المصرية القديمة، وإن ظلت أقل شهرة عالمياً.
معركة إنقاذ الذاكرة
بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على وسط العاصمة في مارس الماضي، عاد موظفو قطاع الآثار إلى مبنى المتحف للمرة الأولى منذ عامين. لكن الصدمة كانت بحجم الكارثة: دمار شامل لمقتنيات لا تعوض. ومنذ ذلك الحين، بدأت جهود متواضعة لإحصاء الخسائر وملاحقة الآثار المنهوبة عبر قنوات التعاون الدولي، لكن الطريق يبدو طويلاً في ظل استمرار الحرب وتراجع الاهتمام الرسمي والدولي.
ذاكرة مهددة
المتحف القومي لم يكن مجرد مبنى يضم آثاراً، بل كان تجسيداً لذاكرة وطنية وجزءاً من هوية شعب. والآن، مع تهديد هذه الذاكرة بالضياع في أسواق التهريب، يواجه السودان معركة أخرى لا تقل خطورة عن الحرب المسلحة: معركة الحفاظ على إرث حضاري يمتد لآلاف السنين.
الأيام نيوز
