خاص سودان تمورو
في فجرٍ كان ينبغي أن يكون ملاذًا للطمأنينة، دخلت آلة القتل من دون رحمة إلى مساجد الفاشر؛ ليست أخطاءً تكتيكية أو حوادث معزولة، بل هجمات متعمدة نفذتها قوات الدعم السريع استهدفت مصلين ومدنيين ونازحين، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. الأرقام متباينة بين 42 و75 قتيلاً بحسب مصادر طبية ومحلية وإغاثية، لكن الثابت الأسوأ أن الضحايا كانوا في بيوت الله، وأن الجريمتين — القتل والانتهاك — ارتكبتا بيد جهةٍ مسلحة تُدعى رسمياً قوات الدعم السريع.
هذا الفعل ليس مجرد خرق لقواعد النزاع، بل هو إعلان واضح عن تحول في طبيعة المواجهة: تحويل المدنيين إلى أهداف مشروعة لدى هذه القوة، واستهداف مقدساتٍ وملاذاتٍ آمنة باعتبارها أهدافًا عسكرية. المشهد الذي تُوّج فيه دفن الجثث بأكياس بلاستيكية لغياب الأكفان واختلال سبل الإغاثة ليس فقط انهياراً إداريًا، بل شهادة مروعة على مدى تدهور إدارة الأزمة الإنسانية وفشل الضامن المحلي والإقليمي والدولي في حماية المدنيين من جرائم ترتكبها جهة مسلحة محددة — قوات الدعم السريع.
التحليل الأخلاقي والسياسي يفرض وقفة صارمة: لا يمكن تبرير أي مقاربة سياسية أو تفاوضية تُعطي غطاءً أو شرعية لمن يثبت تورطه في قتل المدنيين وخرق القوانين الإنسانية. التفاوض مع طرف يقتل المصلين في مساجدهم من دون مساءلة هو تفاوض على حساب دم الضحايا وكرامة الشعب. المطلوب هو موقف واضح يضع مبدأ مساءلة مرتكبي الانتهاكات على رأس أي عملية سياسية أو انتقالية: تحقيقات محايدة وشفافة، توثيق ميداني، وإحالة المتورطين للعدالة الوطنية والدولية حيث تقتضي الأدلة ذلك.
على المستوى الإنساني، لا يكفي الإدانة اللفظية. يجب فتح ممرات إغاثية آمنة فورًا، تأمين توفير الأكفان والرعاية الطبية والنفسية للمتضررين، وإعادة تأهيل مخيمات النازحين. وعلى المجتمع المدني والنخب أن يضغطوا بلا كلل لتوثيق الانتهاكات وتقديم الأدلة، لأن الإفلات من العقاب سيشجع على المزيد من الانتهاكات ويقوّي مسار التفكك المجتمعي.
الرد السياسي والمنهجي ينبغي أن يكون مزدوجاً: حماية عاجلة للمدنيين وإجراءات قضائية طويلة الأمد. المجتمع الدولي والإقليمي مطالبان بالتحرك الفعلي — ليس بالكلام فقط — لتطبيق آليات ضغط دبلوماسي وقانوني على من يثبت تورطه في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما يجب على القوى الوطنية أن تعيد ترتيب أولوياتها: لا شراكة سياسية مقبولة مع فاعلين يثبت تورطهم في استهداف المدنيين، ولا استراتيجيات تفاوضية تُعطيهم نفوذاً يعقّد المسارات التحررية للبلاد.
في قلب هذه المأساة، تبقى الدعوة إنسانية أولاً: إلى الوقوف مع أهالي الضحايا، إلى تسهيل وصول المساعدات، إلى حماية المساجد والمخيمات، وإلى حملة توثيق لا تتوقف. ولن تنجلي قسوة المشهد إلا بعمل متضافر يجمع الضمير المحلي والإقليمي والدولي على قاعدة واحدة: لا إفلات من العقاب، ولا مساومة على كرامة المدنيين.
اللهم ارحم الشهداء واشفِ الجرحى، واجعل هذا البلاء سببًا لاستيقاظ الضمير والعمل لتحقيق العدالة والسلام في السودان.
