سودان تمورو
من المعروف ان الكثير من أبناء الساسة والقادة في افريقيا واقربائهم – ان لم يكونوا كلهم – ماضون في احساسهم بأنهم الأفضل من بقية الشعب ، ولا يحق لاى فرد من أفراد الشعب مهما علا شانه وعظم قدره أن ينتقدهم ، او يتحدث عن مخصصاتهم وامتيازاتهم ناهيك عن ان يتحدث عن ابائهم الذين فيهم من يقود بلاده منذ عقود دون أن يسمح لأي أحد أن ينتقده ويطالب بالعدالة في توزيع الفرص ، ناهيك عن ان يرفض استمراره في الحكم وتفرده فيه.
ومع ان هذا الوضع هو مايتصف به اغلب اهل الحكام وبطانة الساسة وحاشيتهم ، وظن اهلهم واقرباؤهم انهم وحدهم الذين ليس لاحد سواهم أن يبقي محتفظا بامتيازاتهم.
ومع ان هذا هو الحال العام الا ان ما لاخلاف عليه أن هناك استثناءات ومواقف مضيئة ومشرقة تستحق أن يشار إليها باحترام وتقدير ، وأن ترفع لها القبعات تحية واحتراما ، دون ان يعنى ذلك الاتفاق مع من يطلقون تلك المواقف فى كل شئ ؛ وانما ينحصر كلامنا فى الموقف السياسى ولا يصح تعميمه الى كل مواقف هذه الشخصيات ، ومن هذه النماذج – على قلتها – ابنة الرئيس الكاميروني بول بيا ؛ التى سجلت مقطع فيديو طلبت فيه من المواطنين عدم التصويت لوالدها في الانتخابات الرئاسية التى ستجرى فى النصف الاول من شهر اكتوبر ؛ اى بعد اقل من شهر من الان ؛ واعتذرت ابنة بول بيا للشعب الكاميروني عن الضرر الذي تسبب فيه نظام والدها .
ويعد بول بيا أكبر رئيس دولة في العالم إذ يبلغ من العمر 92 سنة وحكم الكاميرون لأكثر من 40 سنة.
ويراقب الناس فى الداخل والخارج الوضع السياسى بحذر ؛ اذ تتجه البلد نحو انتخابات رئاسية مرتقبة ، لكن المشهد السياسي شهد تطورًا مفاجئًا أثار جدلًا واسعًا. خاصة بعد الدعوة التى قدمتها البنت الوحيدة للرئيس – برندا بيا – وهى تطلب من الشعب عدم التصويت لوالدها.
جاء هذا الموقف الصادم في مقطع فيديو انتشر بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّرت برندا عن تجربتها الشخصية مع عائلتها. وقالت بشكل مباشر: “لا تصوّتوا لبول بيا… لأنه جعل الكثير من الناس يعانون. آمل أن نحصل على رئيس آخر”.
وأوضحت برندا، التي تقيم في سويسرا، أنها قطعت علاقتها بعائلتها وتنازلت عن كل الامتيازات المالية، مؤكدة أن معارضتها لوالدها تأتي من قناعتها بأن حكمه الطويل والمتواصل منذ حوالي أربعة عقود تسبب في معاناة عدد كبير من الكاميرونيين.
وقد أثار هذا الإعلان ردود فعل متباينة، حيث وصفه البعض بأنه عمل شجاع، واعتبره آخرون خيانة عائلية، وفق ما نقلته وسائل إعلام أفريقية.
برندا – الملقبة من البعض بالملكة الشريرة – القت باللوم على حكم والدها الذي دام “43” عامًا في البطالة والركود الاقتصادي في دولة الكاميرون.
وتُعدّ هذه هى المرة الأولى في التاريخ السياسي في غرب إفريقيا بل حتى العالم التي تعارض فيها ابنة او ابن رئيس حكم والدهما علنًا، ويثنيا الناخبين عن عدم التصويت له.
يُعدّ “فول بيا”، البالغ من العمر “92” عامًا، أحد أقدم قادة العالم في الحكم، وقد اتسمت رئاسته بمزاعم الاستبداد والفساد وبالجرائم ضد الإنسانية وتزوير والغش في الانتخابات
وينظر البعض باكبار الى موقف ابنته – برندا – وتصريحها الواضح وهى تخاطب شعبها بقولها : “لا تصوّتوا لبول بيا، ليس بسببي، بل لأنه تسبب في معاناة الكثيرين. أتمنى أن يكون لدينا رئيس آخر”.
وأضافت: “أنا آسفة حقًا، لأن بول، الذي هو من لحمي ودمي أو من يُفترض أنه والدي، هو مَن تسبب في معاناة أمة بأكملها لسنوات… اليوم لم تعد لديّ عائلة”.
ولقيت تصريحاتها ترحيبًا واسعًا من معارضي النظام، الذين أشادوا بشجاعتها وتجاهلها لسلطة والدها التي أعلنت مؤخرًا تبرؤها منها.
وسبق لبرندا أن أثارت الجدل في يوليو 2024 عندما أعلنت عن مثليتها الجنسية في فيديو آخر، في بلد يُعرف بموقفه المتشدد تجاه هذه المسألة.
ويحاول البعض الخلط بين الامرين والقول انها منبوذة فى المجتمع وكونها مثلية ومغضوب عليها من ابيها وشعبها يجعل كلامها لا اعتبار له ؛ ولا شك ان هذا خلط ليس فى مكانه ؛ فلسنا هنا فى وارد اجراء محاكمة اخلاقية وقيمية لابنة الرئيس ؛ وانما نتعامل مع تصريحها وموقفها فى اطاره السياسى البحت ؛ ولا يحمل الامر اى ابعاد اخرى ؛ ولايجوز تحميل كلامنا اكثر مما يحتمل ؛ ولايحق لاى احد ان يفسر كلام الاخرين كما يشاء طالما هم حاضرون لبيانه وقد حددوا حدوده وبينوا مراميه ؛ ومع موقفنا الواضح من المثليين وراينا السالب فيهم والقول بضرورة التصدى لهم ومحاربتهم الا انها هنا لم تتحدث عن المثلية ولا دعت اليها ولا حاولت الدفاع عنها بالذات فى هذا الموقف والمنشور واضح والتصريح لايحتاج الى كثير عناء لنعرف دلالاته ؛ لذا لابد من الفصل بين الامور والتعاطى مع كل واحد فى حدوده واطاره.
ان كون ابنة الرئيس الكاميرونى تقف فى مقابل والدها المصر على التمسك بالسلطة لاربعة عقود ؛ والذى حكم البلاد بالقهر ؛ ومارس هو وبطانته الفساد وحمى المفسدين ؛ هذه السيرة السيئة لحاكم سئ تستحق ان يقف الناس فى وجهها ويدعون الشعوب الى رفضها والتخلص منها فما بالنا نرفض الكلام لانه جاء من شابة مثلية؟ وما العلاقة بين سلوكها الشخصى الذى نرفضه وندينه ونحاربه ؛ وبين موقفها السياسى المشرف الذى يجب ان يحظى بالتاييد والدعم؟
ان اى معارضة لبنت الرئيس الكاميرونى ورفض موقفها السياسى بناء على خلفية سلوكها الشخصى يعنى بشكل مباشر اننا قد ناصرنا الاستبداد والدكتاتورية والفساد المتمثلة كلها فى سلطة والدها ؛ وهذا يجعلنا بكل اسف من ضمن منظومة الفساد والاستبداد الكبرى علمنا ام لم نعلم.
