السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالاختطاف بالفدية.. حين تتحول الحرب في السودان إلى سوقٍ للموت!

الاختطاف بالفدية.. حين تتحول الحرب في السودان إلى سوقٍ للموت!

خاص سودان تمورو

مرة أخرى يطلّ علينا رعب الحرب السودانية في أبشع صوره. عشرة شبّان من قرية “دكوج” بغرب كردفان خُطفوا على يد قوات الدعم السريع، التي طالبت بفدية مالية مقابل إطلاق سراحهم. لم يكن ذلك أول اختطاف، ولن يكون الأخير، فحتى من دفعوا الفدية في حوادث سابقة لم يعودوا إلى أسرهم. لم يعد الأمر إذًا مجرد فوضى أمنية، بل صار تجارةً بالبشر تمارسها ميليشيا فقدت آخر ما تبقى من وازعٍ إنساني أو وطني.

هذه الجريمة ليست استثناءً، بل هي جزء من منظومة رعبٍ متكاملة توثّقها الأرقام الرسمية الصادمة التي عرضتها النائبة العامة السودانية أمام مجلس حقوق الإنسان: أكثر من 30 ألف قتيل و43 ألف جريح، وألف وثمانمئة وست وستون حالة عنف جنسي موثقة، إلى جانب تدمير اقتصادي تتجاوز خسائره 771 مليار دولار. خلف هذه الأرقام دماء وأرواح وقرى أُحرقت، ومدن حوصرت، ونساء شُردن، وأطفال جُنّدوا. إنها ملامح حربٍ بلا ضمير ولا قانون.

ما يحدث في كردفان ودارفور والجزيرة وسنار ليس مجرد صراع مسلح، بل استراتيجية إبادة منظمة تقوم على ثلاث ركائز:
أولها، تجييش الطائفية والقبلية لتحويل الصراع من سياسي إلى عِرقيّ يفتت ما تبقى من النسيج الوطني.
ثانيها، اقتصاد الحرب القائم على النهب والابتزاز، حيث تُباع حياة المدنيين مقابل فدية وتُنهب القرى باسم “المجهود الحربي”.
وثالثها، الإفلات من العقاب، إذ يظلّ الدعم الإقليمي والدولي للمليشيا غطاءً لاستمرار جرائمها، بينما يقف المجتمع الدولي بين الصمت المشبوه والإدانة الانتقائية.

الأكثر غرابة أن بعض المنصات الدولية التي يفترض أن تدافع عن حقوق الإنسان تنشغل باتهامات لا دليل عليها – كحديث “الأسلحة الكيميائية” – بينما تتجاهل جرائم موثقة بالصوت والصورة ضد الشعب السوداني. إنها ازدواجية المعايير التي جعلت الضحية تُدان والجاني يُبرر له.

اليوم يقف السودان أمام مفترق مصيري: فإما أن يستعيد دولته وهيبته بمؤسساتها الوطنية وجيشها الشرعي، أو يواصل الانحدار في دوامة الفوضى والاحتراب الأهلي. المعركة لم تعد عسكرية فحسب، بل هي معركة وجود وهوية، تتطلب حشد كل الجبهات:
على الجبهة القانونية لملاحقة المجرمين ومحاسبتهم أمام القضاء الوطني والدولي،
وعلى الجبهة الإعلامية لكشف الأكاذيب وتوثيق الحقيقة،
وعلى الجبهة الدبلوماسية لكسب الدعم الدولي العادل لا المسيس.

قرية “دكوج” اليوم ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل رمز لصمود شعبٍ يُختطف شبابه ويُجبر أهله على دفع ثمن حريتهم، ومع ذلك يرفض أن ينكسر. هذه القرية تمثل روح السودان الحي، الذي لن يُركع مهما طال ليل المأساة.

إنها ليست مجرد حربٍ على الأرض، بل حرب على معنى الوطن نفسه. وحين يتحول الإنسان إلى فدية، تصبح المقاومة واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون عسكريًا.

العار كل العار لكل من يتاجر بآلام السودانيين، والمجد والخلود لكل من صمد في وجه آلة الموت ليحفظ للوطن اسمه وكرامته.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات