سودان تمورو:
مع انخفاض حدة المعارك الميدانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، في عدد من المناطق السودانية، تصاعدت حرب الطائرات المسيّرة بين الجانبين، إذ شن الجيش عدداً من الغارات مستهدفاً معاقل “الدعم السريع” في إقليم دارفور غربي السودان، فيما شنّت الأخيرة هجمات طاولت الخرطوم ومدنا أخرى مثل الأبيض في ولاية شمال كردفان، وكوستي في ولاية النيل الأبيض. ويبدو أن حرب المسيّرات في السودان هدفها فرض معادلات على الأرض، لا سيما وسط البلاد وغربها.
وعقب تحقيق الجيش تقدماً، خصوصاً باستعادته ولاية الخرطوم، إبريل/ نيسان الماضي، وسيطرته على عدد من المناطق بإقليم كردفان جنوب وسط البلاد، شنت “الدعم” هجوماً واسعاً بطائرات مسيّرة انتحارية على عدد من الولايات، آخرها في ولاية الخرطوم صباح اليوم الثلاثاء، استهدف مطار الخرطوم الدولي بعد إعلان إعادة تشغيله. وكانت سلطة الطيران المدني السودانية أعلنت، أمس الاثنين، نيتها إعادة تشغيل مطار الخرطوم الدولي للرحلات الداخلية ابتداءً من غد الأربعاء. وقالت في بيان، إن هذا القرار يأتي تأكيداً لجاهزية المطار لاستقبال الرحلات بصورة تدريجية، بعد استكمال الترتيبات الفنية والتشغيلية اللازمة. وكان مطار الخرطوم توقف عن العمل بعد اندلاع الحرب، في 15 إبريل 2023، وتعرض لتدمير واسع. ونقلت وكالة الأناضول، اليوم، عن شهود عيان أن مسيّرات استهدفت مواقع في مدينتي الخرطوم وأم درمان، فيما سمعت أصوات المضادات الأرضية للجيش السوداني ودوي انفجارات. كذلك قال شهود عيان لوكالة فرانس إنهم سمعوا أصوات طائرات مسيّرة في سماء وسط الخرطوم وجنوبها، بالإضافة إلى أصوات انفجارات في محيط المطار.
أبرز هجمات حرب المسيّرات في السودان
وكانت أبرز هجمات المسيّرات في السودان والتي نفذتها “الدعم” أخيراً، يوم التاسع من سبتمبر/ أيلول الماضي، استهدفت عدداً من المواقع المدنية والعسكرية في مدن العاصمة الخرطوم الثلاث؛ الخرطوم وبحري وأم درمان، بعد هجمات مماثلة للجيش في دارفور. ونفذت “الدعم السريع” هجوماً آخر بالطائرات الانتحارية يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي طاول عدداً من المواقع في الخرطوم. وقال تحالف السودان التأسيسي التي تقوده “الدعم”، حينها، وهو مكوّن من كيانات سياسية وحركات مسلحة، إن الهجمات استهدفت قواعد تدريب لما وصفها بـ”المجموعات الإرهابية” في معسكرَي خالد بن الوليد وجبل سركاب، كما دمر مخازن للأسلحة والذخائر في كل من مناطق كرري بأم درمان والكدرو بمدينة الخرطوم بحري.
وأوضح أن هذه “الضربات تأتي رداً مُستحقاً على استهداف المدنيين بواسطة طائرات الجيش في مناطق متفرقة من دارفور، بينها مدينة نيالا ومناطق بلبل تمبسكو بجنوب دارفور، وكذلك الكومة ومنطقة الزرق بشمال دارفور، والتي خلَّفت عدداً كبيراً من الضحايا، معظمهم من الأطفال والنساء”. وكان تحالف “تأسيس” اتهم، الأحد الماضي، الجيش بقصف أسواق منطقتي سرف عمرة والزرق بشمال دارفور، إلى جانب استهداف مدينة الجنينة في غرب دارفور. وفي بيان آخر أمس الاثنين، اتهم التحالف الجيش مجدداً بقصف مخيم سلك للنازحين، في منطقة كورما بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى مقتل 18 مدنياً، بجانب قصف منطقة كبكابية ما أسفر عن مقتل مدنيين ووقوع إصابات.
في هذا الصدد، قال مصدر عسكري، لـ”العربي الجديد”، إن “الجيش كثف هجماته بالطائرات المسيّرة الاستراتيجية على معاقل الدعم السريع في إقليم دارفور، وطاولت عدداً من معسكرات التدريب ومخازن الأسلحة في مدينة نيالا، ومقر حكومة الدعم السريع في مدينة الجنينة”. ولفت إلى أن هذه الهجمات “التي استهدفت أيضاً منطقة الزرق التي يقطنها أهل قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أثارت غضب الدعم السريع، ولذلك من المتوقع أن تتزايد هجماتها بالمسيّرات”. وكشف المصدر نفسه عن تنفيذ الجيش هجوماً جوياً اليوم الثلاثاء، على مدينتي نيالا والجنينة عقب الهجوم على الخرطوم فجر اليوم.
وفي سياق حرب المسيّرات في السودان تبادل الجيش و”الدعم” الاتهامات حول قصف بطائرة مسيّرة، الجمعة الماضي، وأدى إلى مقتل نحو 20 شخصاً من قادة الإدارة الأهلية بمنطقة المزروب، في ولاية شمال كردفان، بينهم ناظر قبيلة المجانين، وذلك خلال اجتماع في المنطقة. وتواصل “الدعم السريع” هجماتها بصورة شبه يومية على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور التي تحاصرها منذ مايو 2024. آخر تلك الهجمات قصف مدفعي شنته صباح اليوم، طاول عدداً من المواقع والأحياء السكنية في المدينة.
حسن إبراهيم: هجمات “الدعم” تظل خطيرة ما دامت مستمرة
واعتبر الضابط السابق بقوات الاحتياط، حسن إبراهيم، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الدعم السريع وحلفاءها في تحالف تأسيس يريدون حماية مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، التي يتخذونها عاصمة لحكومتهم الموازية”. ولذلك، وفق إبراهيم، تستهدف “الدعم” الخرطوم “لإجبار الجيش على التوقف عن قصف نيالا”. حرب المسيّرات في السودان يشارك فيها الجيش أيضاً، إذ لفت إبراهيم إلى أن الجيش نفذ عدداً من الغارات بطائرات مسيّرة استراتيجية الفترة الأخيرة “استهدفت معسكرات لتدريب المقاتلين في مدينة نيالا ومواقع عسكرية في مدينة الجنينة، بجانب مواقع أخرى مثل منطقة الزرق، ما أسقط عدداً من القتلى وسط جنود الدعم”. وذكر أن هجمات “الدعم السريع” بالطائرات المسيّرة لم تُحدث خسائر كبيرة، إذ “أسقط الجيش عدداً منها، لكنها تظل خطيرة ما دامت مستمرة”.
بدوره قال الصحافي محمد محمود، لـ”العربي الجديد”، إن “هجمات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة هي رسائل سياسية أكثر من كونها عسكرية”. وأضاف أن “استهداف الخرطوم يتم غالباً بطائرات انتحارية يسهل رصدها من خلال صوتها وحركتها البطيئة، ما يجعل الهجمات مجرد محاولات لإثبات الوجود لا أكثر”.
وفي رأي محمود، فإن تصعيد حرب المسيّرات في السودان “يأتي في ظل انخفاض وتيرة المعارك الميدانية في عدد من الجبهات، في ما عدا جبهة مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، حيث تشن الدعم السريع هجمات برية يائسة بين الفينة والأخرى دون تحقيق تقدم كبير للسيطرة على المدينة”. وتوقع “استمرار حرب المسيّرات هذه مع توقعات بإجبار الطرفين على التفاوض بموجب خطة اللجنة الرباعية”، المكونة من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر. وكانت اللجنة قدمت، الشهر الماضي، خريطة طريق لتسوية الأزمة في السودان، تشمل هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تعقبها عملية انتقالية شاملة في البلاد، تُختتم خلال تسعة أشهر.
