الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيهزيمة دعاة الحرب: استنفار فوق استنفار.. إلى أين؟ بقلم حسن عبد الرضي...

هزيمة دعاة الحرب: استنفار فوق استنفار.. إلى أين؟ بقلم حسن عبد الرضي الشيخ

سودان تمورو:

ها هم دعاة الحرب يكررون لحنهم القديم: “تعبئة، استنفار، وطنية”، لكن المشهد اليوم مختلف — والواقع أكثر وضوحًا من أي خطابٍ دعائي. سقوط الفاشر ووقوعها تحت سيطرة طرفٍ مسلح لم يكن حدثًا عسكريًا فحسب، بل كان هزيمة سياسية واستراتيجية لمن ربطوا وجودهم ببقاء الحرب مشتعلة، ورهنوا مصير البلاد بمصير بنادقهم.Al Fashir hotels

لقد حاول الكيزان إعادة إنتاج خطاب الاستنفار الذي فشل منذ أشهر طويلة، حين أحجم الشباب عن تلبية نداءاتهم الجوفاء. فكيف يكون استنفارٌ فوق استنفار؟ وما جدوى الحماس المفتعل بعد أن كشف الشعب زيف الشعار؟ الحقيقة أن الدعوة الجديدة ليست إلا محاولة يائسة لإنعاش مشروعٍ ميت، وتغطية على الهزائم المتلاحقة التي لحقت بجنرالات الحرب ورعاتها السياسيين. فما جدوى استنفار الخوف بعد فشل السلاح؟!

منذ أن أعلن ياسر العطا ما سماه “التعبئة العامة”، وخرج منّي أركو مناوي بدعوةٍ مشابهة، ظهر جليًا أن هؤلاء القادة لا يملكون رؤية سوى صدى صرخاتهم. أليست هذه الحرب نفسها التي بشرونا فيها بالنصر القريب؟ أليس محللوهم الاستراتيجيون قد قالوا إن “الدعم السريع انتهى”؟ إذن، لماذا البكاء اليوم؟ ولماذا الدعوة لاستنفارٍ جديد بعد “النصر المزعوم”؟

الجواب واضح: لأنهم خسروا. لأنهم هُزموا عسكريًا، ثم سياسيًا، ثم أخلاقيًا. خسروا ثقة الناس، وخسروا الميدان، وخسروا حتى قدرتهم على الكذب المقنع. ما عاد أحد يصدق دعاوى “الدفاع عن الوطن” حين تصدر ممن باعوا الوطن نصف قرن، وقسّموه باسم الدين والوطنية.

الوقائع تتحدث بصوتٍ أوضح من بياناتهم: الشرطة العسكرية في الابيض تمنع المواطنين من الخروج، وتحتجزهم عند المخارج، فيما تهرب الحكومة الجبانة إلى كوستي! أي جيش هذا الذي يهرب من شعبه؟ وأي سلطة تلك التي تطلب من الفقراء أن يموتوا دفاعًا عن فشلها؟

إنّ ما يجري اليوم تأكيدٌ قاطع على أن كل منظومتهم قد سقطت فعلاً، وأن الوفد السياسي في بورتسودان لا يملك سوى إعلان قبول التفاوض دون شروط، لأن شروط القوة لم تعد في أيديهم، بل في أيدي من يملكون القرار في الميدان.

فهل بقي من وقت ليعيد فيه الكيزان تجربة الجنوب؟ فالذين يصرخون اليوم “استنفارًا” هم ذاتهم الذين فصلوا الجنوب بشعارات الحرب المقدسة، وهم الآن يعيدون التجربة ذاتها في الشمال، بأسماء مختلفة ولكن بالذهنية نفسها. يريدون أن يجرّوا أبناء الفقراء مرة أخرى إلى الموت، بينما أولادهم في الخارج، وفي القاعات المكيفة، وفي النوادي وحمامات السباحة.

أولئك الذين “يكشون” الشباب من الأسواق ويرسلونهم بالقوة إلى معسكرات التدريب، يعيدون نفس الجرائم القديمة بوجهٍ جديد. لم يتعلموا شيئًا من التجربة، لأن الحرب بالنسبة لهم ليست مأساة، بل وسيلة بقاء، ولأنهم يعرفون أن السلام يعني محاسبتهم على كل الدماء المسفوكة.

هل تذكرون؟ حين خرج الشعب في ديسمبر ٢٠١٨ يطالب بالحرية والسلام والعدالة، أدار هؤلاء ظهورهم. وحين احتمى الثوار أمام القيادة العامة، أغلقوا الأبواب في وجوههم وتركوا الرصاص يتكلم. واليوم، بعد أن هُزموا في كل معركة، يطلبون من ذات الشعب أن ينقذهم! أي سخرية هذه؟

يتقاضون رواتبهم ومخصصاتهم ومزاياهم الضخمة، ويأخذون ٨٥% من ميزانية الدولة، ثم حين تأتي لحظة العمل الحقيقي، يختبئون وراء المواطنين العزّل. يريدون أن يستنفروا شعبًا لم يستنجدوا به إلا بعد أن ضاقت بهم الهزائم.

إن الإعلام والتنوير هو خط الدفاع الحقيقي. يقع، اليوم، الواجب الأكبر على الإعلام الحر والمستقل، لفضح أكاذيب التعبئة وخطط الاستغلال الجديدة. لا بد من وعيٍ يشرح للأسر والشباب أن هذه الدعوات ما هي إلا مصيدة جديدة لإبادة الجيل الذي حلم بدولة مدنية حقيقية.

لقد سقطت كل الأقنعة، ولم يعد ممكناً الاختباء وراء الدين أو الوطنية أو المؤامرة الدولية. هذه الشعارات سقطت في الثورة، وسيسقط من يحاول إحياءها من جديد.

في الخاتمة، لا بد ان نعلنها داوية: كفى استنفاراً! وإن ما يجري اليوم هو نواحٌ سياسي أكثر منه خطة عسكرية. كيزان الإعلام يملؤون الفضاء بالعويل واللطم والادعاء بأن “الفاشر أُبيدت”، بينما الحقيقة أن ما جرى هناك هو نتيجة طبيعية لعنادهم، وغرورهم، وإصرارهم على الحرب التي حذرناهم منها منذ عامٍين كاملين وأشهر.

العدو الحقيقي في السودان واحد ومعروف: الكيزان، دعاة الحرب، الذين يريدون استمرار النزاع لتختلط الأوراق ويهربوا من العدالة.Sudanese handicrafts online

لقد انتهت اللعبة، وسقطت آخر أوراقهم في الفاشر. سقوط غيرها من مدن سيكون مجرد نتيجة طبيعية لسياساتٍ رعناء إن لم نجلس للسلام ووقف الحرب، أما بورتسودان والعاصمة فسوف يكون مصيرهما مرهون بشجاعة من يوقف هذه الحرب المجنونة قبل أن تحرق آخر ما تبقى من الوطن.

إنّ النصر الحقيقي اليوم ليس في الاستنفار، بل في إيقاف الحرب. ليس في الحشد، بل في الوعي. ليس في البندقية، بل في الكلمة.
فلتسقط دعوات الحرب، ولتعلُ أصوات السلام، لأن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من الجنون.

الراكوبة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات