سودان تمورو:
في لحظة تاريخية حاسمة يعاني فيها السودان من انفصال خطير بين النخب والشارع، يبرز سؤال مركزي: لماذا فشل الخطاب السياسي، وخاصة الجذري منه، في أن يصبح خطاباً شعبياً؟
تظل لغة هذا الخطاب حبيسة القاعات المغلقة وكتب التنظير، عاجزة عن اختراق قلوب وعقول جيل عانى ويلات الحرب والظلم، وبات يبحث عن خطاب يلامس وجعه اليومي، ويعبر عن طموحه في غد أفضل.
وكيف لأمة تمتلك إرثاً ثورياً عظيماً مثل انتفاضة أبريل، أن تعجز عن صياغة خطاب تحريضي جديد يلهم الشباب ويحشد طاقاتهم؟ أليس هذا العجز الإعلامي والخطابي هو أحد الأسباب التي جعلت كثيراً من الشباب يشعرون بالاغتراب عن العمل السياسي المنظم؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً، بل هي محاولة جادة لفهم مأزقنا الحقيقي، وفتح حوار صريح مع التيار الجذري الذي يحمل رؤى للتغيير، لكنه ربما فقد الجسر الذي يوصله إلى من يفترض أن يكونوا حاملين لهذه الرؤى: الشباب والشعب.
أولاً: الفجوة اللغوية: من التنظير إلى وجع اليومي
إن المأزق الأكبر الذي يواجه التيار الجذري اليوم هو الفجوة اللغوية الهائلة بين قاعة المحاضرات وميدان الشارع.
فبينما تتحدث النخب في اجتماعاتها عن “الصراع الطبقي” و”الأممية”، يئن المواطن البسيط في الشارع تحت وطأة “الغلاء” و”نقص الوقود” و”العلاج”. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل هو انفصال عن الواقع المعاش، الأمر الذي يطرح السؤال الجوهري: كيف تبررون هذه الفجوة اللغوية بين ما تنظّرون له وما يعيشه الناس يومياً؟
الكثير من شعارات هذا التيار تبدو مجردة ومليئة بالمصطلحات المستوردة مثل “البروليتاريا” و”البرجوازية الصغيرة”، مما يزيد من حاجز التواصل. هل تعتقدون حقاً أن مشكلة الشعب السوداني هي في عدم فهمه لهذه المصطلحات، أم أن المشكلة هي في عجزكم عن ترجمة أفكاركم إلى لغة الحياة التي يعيشها الناس؟
حين يرفض البعض تبسيط الخطاب بحجة أنه “تفريط في المبدأ”، ألا يخشون أن يحولوا الأفكار النيرة إلى طقوس نخبوية خاصة بهم، تبتعد بها أكثر فأكثر عن الجماهير التي يدّعون التحدث باسمها؟ إن رهان أي حراك تغييري هو القدرة على جعل الخطاب الجذري خطاباً شعبياً بامتياز.
ثانياً: تحدي الإعلام والحشد الشبابي: معركة الرواية البصرية
في سياق آخر، يبرز التحدي الإعلامي كعائق ثانٍ أمام التواصل مع الشباب. أمام سيطرة خطاب الكراهية والإثنية على منصات التواصل الاجتماعي، وأمام القوة التمويلية الهائلة للإعلام المضاد، أين هو الإعلام الجذري البديل الذي يستطيع منافسة هذا الخطاب والتأثير في وعي الشباب؟
الملاحظ هو أن معظم المنصات الإعلامية الراهنة تبدو وكأنها تخاطب النخب الداخلية أو تخاطب أنفسها فقط. فهل فكرت النخب يوماً في إنشاء محتوى يجاري لغة العصر (مقاطع قصيرة، إنفوجرافيك، ميمز) بلغة بسيطة ومباشرة، بدلاً من المقالات الطويلة والمقاطع المسجلة في الاستديوهات الرسمية التي لا يتابعها الشباب؟
إن الثورة لا تقوم على البيانات الطويلة، بل تحتاج إلى رواية شعبية تنتشر كالنار في الهشيم، تخلق حالة من الحماس والتأييد بين صفوف ملايين الشباب غير المنتمي سياسياً. إن الفشل حتى الآن في إنتاج سردية بصرية جذابة تمس وجدان هذا الجيل يترك الساحة مفتوحة بالكامل لخصوم التغيير.
المعركة الحقيقية في إيصال الحقيقة
إن هذه الأسئلة هي محاولة للوصول إلى إجابات عملية. فالمعركة الحقيقية ليست في امتلاك الحقيقة النظرية أو المبدئية، بل في القدرة الساحقة على إيصال هذه الحقيقة إلى قلوب وعقول الناس. إن الاستمرار في هذا الانفصال الخطابي هو إهدار للطاقات التغييرية في لحظة هي أحوج ما تكون فيها الأمة إلى وحدة الفعل والخطاب.
الراكوبة
