الأحد, مايو 17, 2026
الرئيسيةثقافةملفاتعملية التكوين النظري والتاريخي للنظام الدولي

عملية التكوين النظري والتاريخي للنظام الدولي

سودان تمورو:

يُشار غالبًا إلى النظام الدولي الحديث بوصفه “النظام الوستفالي”، استنادًا إلى معاهدة وستفاليا لعام 1648 التي أرست أسس هذا النظام بين الدول الأوروبية. فقبل بروز هذا النظام الحديث، عرفت المجتمعات أشكالًا ما قبل–حديثة من التنظيم السياسي، كدول–المدن والإمبراطوريات والقبائل. وبرغم امتلاك هذه الكيانات نظمًا سياسية، فإن بنيتها التنظيمية كانت تختلف جوهريًا عن بنية الدولة–الأمة الحديثة القائمة على السيادة الإقليمية.

ارتبط النظام الدولي الحديث بمجموعة من المؤسسات والقواعد والأعراف التي منحت النظام ذاته والفاعلين فيه معنى، ونظّمت العلاقات القائمة بينهم. وتشمل هذه المؤسسات: الحرب، توازن القوى، الدبلوماسية، القانون الدولي، والمنظمات الدولية.

وتجمع معظم نظريات العلاقات الدولية على أن اللحظة التأسيسية للنظام الدولي تعود إلى معاهدة وستفاليا عام 1648. ويذهب مارتن وايت إلى أن النظام الدولي، في صورته الأوروبية، تطوّر تدريجيًا منذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى القرن السابع عشر. ومن أبرز خصائص هذا النظام: التأكيد على سيادة الدولة الإقليمية، والاعتراف المتبادل بسيادة الدول، وربط العلاقات بينها بالمؤسسات القانونية والدبلوماسية، بالإضافة إلى الانخراط في سياسات توازن القوى. وقد كان هذا النظام ذا طابع إقليمي–ترابي واضح، يقوم على مركزية الحدود الإقليمية في تحديد السلطة والسيادة.

 

أولًا: معاهدة وستفاليا وبداية النظام الجديد

في 24 أكتوبر 1648 وُقِّعت معاهدة وستفاليا، منهيةً حرب الثلاثين عامًا التي اجتاحت وسط أوروبا. وقد استضافت منطقة وستفاليا – الواقعة في شمال غربي ألمانيا – هذه المفاوضات التاريخية. وتُعد المعاهدة إحدى المحطات الكبرى في تاريخ النظام الدولي.

كانت حرب الثلاثين عامًا من أكثر الحروب تدميرًا في أوروبا. بدأت عام 1618 عندما حاولت أسرة هابسبورغ الحاكمة في النمسا فرض المذهب الكاثوليكي على رعاياها البروتستانت في بوهيميا (تشيكيا الحالية)، وسرعان ما امتد الصراع إلى باقي الولايات الألمانية. ودخلت الإمبراطورية الرومانية المقدسة في حرب مع فرنسا، فيما ثارت الإمارات الألمانية ضد الهيمنة النمساوية، واندلعت مواجهات موازية بين فرنسا وإسبانيا. ومع الزمن تورطت السويد والدنمارك وبولندا وروسيا في هذا المشهد المعقد الذي غذّته الدوافع الاقتصادية والتجارية إلى جانب الأبعاد الدينية والسياسية.

شارك في هذه الحرب عدد من أبرز القادة العسكريين الأوروبيين: المارشال تورين، لويس الثالث عشر، الكاردينال ريشيليو، مازاران، والأمير دو كوندية من فرنسا؛ والجنرال فالينشتاين من النمسا؛ والملك غوستاف أدولف من السويد؛ وفيليب الرابع من إسبانيا؛ وكريستيان الرابع من الدنمارك؛ إضافة إلى عدد من بابوات الكنيسة الكاثوليكية. وقد لقي بعض هؤلاء حتفهم في المعارك، مثل غوستاف أدولف في معركة لوتزن عام 1632، فيما قُتل فالينشتاين عام 1634 على يد ضابط إنجليزي بعد حملة عسكرية اشتهر فيها بالقسوة المفرطة.

استمرت الحرب عقدًا آخر بعدما أدّت إلى موجات كارثية من الفقر والمرض والمجاعة. ووثق المؤرخ الألماني فنسلاس هولار حالات متكررة من أكل لحوم البشر في الراينلاند خلال ثلاثينيات القرن السابع عشر، في ظل غياب الأمن وسيطرة الميليشيات المرتزقة التي كانت تعتبر استمرار الحرب مصدر رزق.

بدأت مفاوضات السلام عام 1644 في مدينتي أوزنابروك ومünster بمشاركة 109 مندوبين من 194 كيانًا ألمانيًا، إلى جانب أطقم لوجستية ضخمة، بينما كانت معظم مناطق البلاد تعاني المجاعة. شارك في الإشراف ممثلون عن الفاتيكان والبندقية. ومع تصاعد الخلافات خلال المفاوضات، رفضت الوفود الفرنسية والإسبانية الجلوس وجهًا لوجه، فلجأت الأطراف إلى تبادل الرسائل عبر قنوات بريدية كان يستغرق وصول الرسالة فيها من مونستر إلى باريس أو فيينا نحو 11 يومًا، وإلى مدريد أو ستوكهولم نحو 21 يومًا.

وفي 24 أكتوبر 1648، وُقّعت المعاهدة التي نتج عنها: اعتراف إسبانيا باستقلال هولندا، واعتراف النمسا باستقلال سويسرا، وتمتع الإمارات الألمانية بحكم ذاتي واسع، وحصول السويد وبافاريا وبراندنبورغ على امتيازات إقليمية ومالية، واستحواذ فرنسا على معظم مناطق الألزاس واللورين.

شهد القرن العشرون تحولات عميقة في هذا النظام بفعل انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، وقيام المنظمات الدولية، وصعود الدول المستقلة حديثًا. ومع نهاية القرن وبداية القرن الحادي والعشرين، أدت العولمة والتقدم التكنولوجي إلى إعادة تشكيل علاقات المكان والزمان في النظام الدولي، بحيث تراجعت مركزية الحدود الإقليمية والدولة الترابية، لصالح مفاهيم جديدة مثل التدفق العابر للقوميات، والشركات العابرة للحدود، وصعود المجتمع المدني العالمي.

ويرى باري بوزان أن النظام الدولي يمر بمراحل تمتد من “المجتمع غير المتجانس” (القائم على الصراعات الهوياتية والعنف)، إلى “المجتمع التعددي” (الاعتراف المتبادل بسيادة الدول)، إلى “المجتمع التعاوني” (تبني مشاريع مشتركة قائمة على قيم مشتركة)، وصولًا إلى “المجتمع الاندماجي” الذي تتلاشى فيه الحدود وتتقارب الهويات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات