الأحد, أبريل 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين مطرقة الميليشيات وسندان الشرعية المختطفة!

السودان بين مطرقة الميليشيات وسندان الشرعية المختطفة!

خاص سودان تمورو

في لحظة فارقة يتداخل فيها الدخان بالدم، ويضيع فيها صوت الدولة بين صرير البنادق، يخرج وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم بتصريحات تؤكد أن السودان “لن يسمح” بأي دور سياسي أو عسكري للدعم السريع مستقبلاً، معلناً أن المعركة تمضي نحو “تحرير” كل شبر من البلاد. لكن هذا الخطاب، وإن بدا ظاهره حاسماً، يعيد فتح جرح قديم لا يلتئم: جرح ازدواجية السلاح وتضارب الشرعيات، حيث تتخذ الميليشيات المتصارعة لغة الوطنية شعاراً، بينما تتقاسم في الخفاء حصة النفوذ والمكاسب.

جوهر الأزمة أعمق من بيان سياسي أو تصريح موجه لوفد دولي. فجبريل إبراهيم، وهو أحد أبرز قادة الحركات المسلحة التي دخلت العملية السياسية عبر بوابة المحاصصة، يحاول أن يرسم لنفسه موقعاً مميزاً في مشهد مرتبك، من خلال إدانة الدعم السريع واتهامه بالخروج على الدولة. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذه الحركات نفسها لم تُقدم طوال سنواتها الماضية نموذجاً مغايراً أو مشروعاً سيادياً يُحتذى. فالحركات المسلحة والدعم السريع وُلدت جميعها من رحم فراغ الدولة، ونمت في بيئة الصراع المفتوح، وارتكزت في بقائها على رعاية خارجية وأجندات متشابكة.

الدعم السريع، الذي تطور من قوة محلية وظيفية إلى تشكيل مسلح متضخم، أصبح لاعباً يبحث عن موقع فوق الدولة لا داخلها، معتمداً على دعم إقليمي مكشوف، ودافعاً باتجاه تغيير موازين السلطة بقوة السلاح. لكن في الجهة المقابلة، ليست الحركات المسلحة بريئة من لعبة المصالح ولا من تسييس البندقية. فقد ظلت على مدى سنوات تبرر وجودها بخطاب “القضية” و”التهميش”، بينما لم تنجح في تقديم نموذج إداري أو تنموي في أي منطقة خضعت لها، بل اكتفت بالتموضع السياسي وانتظار حصصها في الحكومة المركزية.

إن التشابه بين الطرفين لا يقتصر على البنية المسلحة أو الخلفية الوظيفية، بل يمتد ليطال الخطاب الذي يشهر الوطنية كلما ضاقت هوامش النفوذ. فالحركات المسلحة ترفض استفراد الدعم السريع بالمشهد، والدعم السريع لا يريد قبول أي منافس مسلح آخر، أما الدولة، التي يُفترض أن تكون الحكم والضابط والمرجعية، فقد شُطبت من المعادلة بفعل تآكل مؤسساتها وتنازع القوى داخلها.

يدفع المواطن السوداني اليوم، في دارفور وسائر البلاد، فاتورة هذا الصراع الذي تحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فبينما تتبادل الميليشيات الاتهامات وتتنافس على شرعية لا تستند إلا إلى حجم القوة التي تملكها، يعيش المدنيون بين نزوح متواصل وغياب الأمن وتدهور اقتصادي خانق. لقد أصبحت دارفور نموذجاً لتقاطع المشاريع الخارجية مع هشاشة الداخل، وتحوّلت إلى مسرح مفتوح تعاد فيه كتابة الجغرافيا السياسية بدماء السكان.

إن الحديث عن “دمج” الحركات المسلحة في الجيش، أو إعادة هيكلة القطاع الأمني دون معالجة جذرية لواقع الميليشيات، لن يؤدي إلا إلى تدوير الأزمة. فالجيش الوطني لا يُبنى من تحالفات ظرفية ولا من مسلحين ذوي ولاءات متبدلة، بل من رؤية واضحة تضع السلاح حصراً في يد الدولة، وتعيد تشكيل العقيدة العسكرية على أساس قومي جامع لا يخضع للقبيلة أو التنظيم أو الخارج.

السودان اليوم أمام خيار حاسم: إما أن يستعيد الدولة بجيش مهني واحد وقانون نافذ على الجميع، أو يبقى أسيراً لدائرة الصراع بين الفصائل التي تتناوب على خطاب الوطنية بينما تتحرك وفق حسابات ضيقة. ومن دون مشروع وطني يتجاوز المحاصصة، ويوقف التمويل الخارجي للمجموعات المسلحة، ويحمل كل من تلوثت يده بالدماء مسؤولية قانونية حقيقية، لن تنهض البلاد من هذا المستنقع.

المستقبل السوداني لا يُكتب اليوم في البيانات السياسية، بل في القدرة على تفكيك اقتصاد الحرب، وإنهاء منطق الميليشيا، وإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كحَكَم لا كطرف في الصراع. وما لم يتحقق ذلك، سيظل السودان يدور في الحلقة نفسها: صراع

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات