سودان تموزو
في عالم يتسم بالتنافس العسكري والجيوسياسي الشديد، تصبح تحركات الدول الكبرى في مجال التسليح مفتاحًا لفهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة. وقد برزت القاهرة في الآونة الأخيرة كلاعب يسعى لتغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط من خلال تعزيز قدراتها الجوية بشكل مستقل عن التأثيرات الخارجية، خاصة في ظل التوترات بين روسيا والغرب. اللقاء الذي جمع الرئيس المصري مع وزير الدفاع الروسي في نوفمبر الماضي يمثل لحظة فارقة، تشير إلى مسار جديد في العلاقات العسكرية بين البلدين، ومسعى جاد نحو امتلاك القدرة الصناعية المتقدمة.
في 11 نوفمبر، استقبل قصر الاتحادية بالقاهرة أحد أبرز مفاتيح الكرملين، سيرغي شويغو، أمين مجلس الأمن الروسي، الرجل الذي يقف خلف ملفات الحرب والتسليح في موسكو. أمام الكاميرات بدا الاجتماع هادئًا ودبلوماسيًا، مع حديث عن المشروعات المدنية التقليدية مثل محطة الضبعة والمنطقة الصناعية الروسية، لكن ما دار خلف الأبواب المغلقة كان أعمق بكثير من ذلك. فقد فُتح ملف اعتُبر محظورًا، يتعلق بنقل تكنولوجيا مقاتلات السيادة الجوية “سوخوي سو‑35” وإقامة خط إنتاج مشترك داخل مصر، بما يمنح القاهرة امتلاك سرّ الصناعة نفسها، وليس مجرد شراء المعدات، بحسب ما أورده موقع “تاكتيكال ريبورت” الاستخباراتي.
توقيت الزيارة لم يكن عاديًا، فروسيا كانت محاصرة صناعيًا تحت ضغط عقوبات الحرب في أوكرانيا، فيما كانت الأسواق الغربية مغلقة، ما دفعها للبحث عن شريك. أما القاهرة، فكانت تسعى لتحقيق استقلال استراتيجي حقيقي، يعتمد على قوة جوية لا تتحكم فيها واشنطن ولا سياساتها المتقلبة. تشكيل الوفد الروسي أكد ذلك، إذ ضم كبار المسؤولين من هيئة التعاون العسكري‑التقني وشركة “روس أوبورون إكسبورت”، ووفدًا من “روساتوم” ووزارة الصناعة والتجارة، ما يعكس أن الهدف كان تنفيذ اتفاقيات فعلية وليس مجرد تبادل عبارات ود دبلوماسية.
الملف العسكري كان حاضرًا بكل تفاصيله، وتجاوز الحديث عن الطائرات لتناول رادارات وإلكترونيات الطيران والمحركات العملاقة، ومحاولة لكسر التفوق الجوي النوعي الذي سيطر على سماء المنطقة لسنوات طويلة. فالمفاوضات لم تكن مجرد صفقة شراء، بل كانت تحركًا نحو امتلاك القدرة التصنيعية الكاملة، وهو ما يشكل تحولًا استراتيجيًا بالنسبة للقاهرة.
هذا التحرك المصري مرتبط بتاريخ طويل من التعقيدات. ففي 2018، وقعت مصر عقدًا بقيمة نحو ملياري دولار لشراء مقاتلات “سوخوي‑35″، لكن الصفقة توقفت لعدة أسباب منها الضغط الأمريكي، واستخدام قانون “كاتسا” كأداة للضغط وتهديد المعونة العسكرية والدعم الفني لأسطول F‑16 المصري. الطائرات التي كانت معدة للتسليم ذهبت في نهاية المطاف إلى إيران والجزائر، فيما بقيت القاهرة تبحث عن بدائل تحقق استقلالها الجوي.
زيارة شويغو في 2025 جاءت في هذا الإطار، حيث ظهرت مؤشرات قوية على رغبة مصر في إعادة ضبط استراتيجيتها الجوية من خلال شراكة صناعية تسمح لها بالتحكم الكامل في تكنولوجيا الطيران. هذه الخطوة لم تكن ممكنة بدون استعداد روسي استثنائي، حيث باتت روسيا مضطرة لتقديم جزء من أسرارها العسكرية بسبب انهيار صادراتها وانهيار سلاسل التوريد، إضافة إلى الضغط الاقتصادي والحاجة الملحة لتأمين شراكات طويلة الأمد وتدفق مالي ثابت.
القاهرة أيضًا كانت مستعدة لهذا التحرك، فالبنية التحتية والصناعية الموجودة تحت مظلة الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي، إلى جانب تجربة تصنيع مكونات مقاتلة الرافال، تجعلها قادرة على استيعاب التكنولوجيا الروسية المعقدة، بما في ذلك الرادارات والمحركات… المنطقة الصناعية الروسية في محور قناة السويس تمنح المشروع إطارًا قانونيًا ومزايا استراتيجية تسمح بتجاوز العقوبات الغربية، وتؤسس لقاعدة صناعية متكاملة تضمن استقلال القرار المصري المستقبلي.
إن الخطوة ليست مجرد صفقة سلاح، بل تمثل تحولًا في ميزان القوة والقدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي. بامتلاك مصر التكنولوجيا الروسية، تصبح الدولة قادرة على الحفاظ على سيادتها في مواجهة أي ضغوط خارجية، وتضع نفسها مركزًا إقليميًا للصيانة والتوريد للدول التي تستخدم الأسلحة الروسية، مما يعزز نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة. رغم المخاطر الكبيرة المتعلقة بالعقوبات الأمريكية والتحديات الصناعية، فإن هذه الخطوة تمثل نصراً استراتيجيًا حقيقيًا، قد يبقى إرثه للأجيال القادمة، ويعيد تعريف مفهوم الاستقلال العسكري في الشرق الأوسط.
مقاتلة روسية من طراز سو-35. (صورة من روستيك)
تُعد مقاتلة سو‑35 واحدة من أبرز طائرات الجيل 4++ الروسية، وهي تطوير عميق لسلسلة فلانكر الشهيرة، لكن مع تحسينات تجعلها أقرب في الأداء إلى مقاتلات الجيل الخامس. صُممت الطائرة لتوفير تفوق جوي بعيد المدى وقادرة على تنفيذ مهام اعتراض ودفاع جوي وهجوم عميق داخل أراضي الخصم. تصميمها الديناميكي المميز بجناحين كبيرين ومحركات قوية يمنحها قدرة عالية على المناورة، وهو ما يجعلها قادرة على تنفيذ حركات جوية معقدة وصعبة لا تستطيع كثير من المقاتلات الغربية الوصول إليها.
تعتمد سو‑35 على محركات AL‑41F1S التي تمنحها قوة دفع كبيرة وقدرة على التحكم في اتجاه الدفع، وهو ما يفسّر مستوى المناورة الاستثنائي. تتمتع الطائرة بقدرة عالية على التسارع والوصول إلى سرعات فوق صوتية دون الحاجة لاستخدام الحارق اللاحق في بعض الظروف، ما يمنحها ميزات مهمة في الاشتباكات الجوية بعيدة المدى. مدى الطائرة كبير جدًا، إذ تستطيع الطيران لمسافات طويلة دون الحاجة إلى التزوّد بالوقود، وهو ما قدم للقوات الجوية الروسية القدرة على تنفيذ دوريات قتالية بعيدة واستهدافات خارج حدود المجال الجوي الروسي.
في ما يتعلق بالإلكترونيات، تحمل سو‑35 رادار Irbis‑E، وهو أحد أقوى الرادارات ذات المصفوفة الهوائية السلبية في العالم. يمكنه تتبع عدد كبير من الأهداف على مسافات بعيدة جدًا، كما يستطيع مواجهة الطائرات الشبحية نسبياً في ظروف معينة بفضل قوته العالية ونمط المسح المتغير. أنظمة الحرب الإلكترونية في الطائرة محسّنة مقارنة بالإصدارات السابقة، وتسمح لها بالتشويش على الصواريخ والرادارات المعادية والقيام بعمليات مضادة إلكترونية لحماية نفسها أو لحماية تشكيل جوي كامل.
التسليح هو أحد أهم نقاط قوة سو‑35، إذ يمكنها حمل مجموعة كبيرة من الصواريخ والقنابل الموجهة، بما في ذلك صواريخ جو‑جو بعيدة المدى من طراز R‑37M وR‑77‑1، وصواريخ جو‑أرض دقيقة، وقنابل موجهة بالأقمار الصناعية والليزر. الطاقة الكبيرة التي تتحملها نقاط التعليق تسمح للطائرة بحمل قدر كبير من الذخائر، مما يمنحها قدرة على تنفيذ مهام متعددة في طلعة واحدة، سواء للاستهداف الجوي أو الهجمات العميقة.
قمرة القيادة في سو‑35 تعتمد على شاشات متعددة الوظائف ونظام طيران رقمي متطور، لكن تصميمها لا يزال محافظًا مقارنة بالمقاتلات الغربية الحديثة. رغم ذلك، فإن الدمج بين قدرات الرادار والتسليح والمناورة يمنح الطائرة أداءً قتاليًا قويًا يجعلها من أصعب الخصوم في القتال الجوي القريب والبعيد على حد سواء.
تُعتبر سو‑35 الخيار الأبرز لدى الدول التي تبحث عن مقاتلة ثقيلة متقدمة دون كلفة تشغيل هائلة مثل تلك الخاصة بالمقاتلات الغربية، ومع مستوى عالٍ من الحرية في التسليح والتشغيل دون قيود سياسية. ورغم أنها لا تصل إلى مستوى الطائرات الشبحية في التخفي، فإنها تقدم مزيجًا قويًا من المدى الكبير والقوة النارية والمناورة العالية، ما يجعلها من أفضل مقاتلات الجيل 4++ في الخدمة اليوم.
